تأملات في يوم الحساب: حين تتحول الكلمات والكلمات البسيطة إلى جبال من الحجارة


هذا الخبر بعنوان "حتى في يوم الحساب... هناك طابور!" نشر أولاً على موقع عدن الغد وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٣ أغسطس ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
لم أكن أتحول أنني سأقف يوماً خلف كونتر الحساب. كان كونتر عادياً، يشبه ذلك الذي رأيته مئات المرات في المطاعم والبنوك والمستشفيات، لكن المكان لم يكن عادياً. لم يكن هناك بنك، ولا مطعم، ولا مستشفى، بل كنت أنا... وكونتر... وطابور طويل جداً أطول من أن يُقاس.
في البداية لم أُعِر الأمر اهتماماً، ظاظننت أنه سينتهي سريعاً. لم تكن هناك أرقام انتظار، لكن الطابور كان منظماً للغاية وبلا واسطة. جاء أول شخص، نظر إليّ وقال: "لي حق عندك." ثم رمى نحوي حجراً وانصرف. تكرر المشهد مع أشخاص آخرين؛ بعضهم رمى حجارة صغيرة وبعضها أصابني وألمني. والحجارة التي كنت أتجنبها لا تختفي، والتي تصيبني لا تسقط، بل تبقى جميعها تتراكم.
توالى الأشخاص الذين أخطأت بحقهم في الماضي؛ شخص جرحته بكلمة، وشخص تكلمت عنه في غيابه، وآخر تجاهلته أو لم أُفِ بوعدي له، أو آذيته بنظرة أو أحرجته. أدركت حينها أنني لم أكن سارقاَ ولم أقتل أحداً ولم آكل مال يتيم، لكنني ارتكبت ذنوباً صغيرة كنت أسميها "مجرد كلمة" أو "مجرد مزحة"، لتبين لي هنا خطورتها الكبيرة حين اجتمعت لتشكل جبلاً عظيماً من الحجارة خلفي.
ومع استمرار حركة الطابور، أدرت فكري إلى أولئك الذين ظلموا شعوباً بأكملها، وظلموا أجيالاً أحياء وأمواتاً، فتخيلت طوابيرهم التي لا تنتهي وجبالهم التي ستلغ عنان السماء. وبينما أنا في هذه الحيرة، رمى أحدهم حجراً صغيراً أصابني وآلمني، وحل الظلام، وصمت المكان حتى سمعت صوت صفارة البطارية تعلن انتحارها، لأفتح عيني برعب مردداً أدعية الاستعاذة، وأدرك أنني لم أكن خلف الكونتر بل كنت في طابور أحدهم أنتظر دوري لأرمي حجري.
منوعات
منوعات
منوعات
منوعات