أوروبا واليمن: هل الدعم المالي كافٍ أم أن الانقسامات السياسية تعيق التحرك الحاسم؟


هذا الخبر بعنوان "هل تكترث أوروبا باليمن؟ تساؤلات بشأن موقف الاتحاد الأوروبي من الحوثيين والحرب المتصاعدة" نشر أولاً على موقع يمن مونيتور وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٧ نوفمبر ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
قدم الاتحاد الأوروبي مساعدات لليمن تجاوزت قيمتها مليار يورو منذ عام 2015، بما في ذلك 110 ملايين يورو خلال العام الجاري وحده. ومع ذلك، ورغم هذا الدعم، عادت البلاد إلى حرب شاملة، مما يثير تساؤلات حول مدى نفوذ أوروبا واستعدادها لاتخاذ إجراءات أكثر حزماً. يؤكد الاتحاد الأوروبي دعمه لليمن، لكنه يواجه انقسامات بين الدول الأعضاء الـ27 بشأن قرارات هامة مثل تصنيف الحوثيين منظمة إرهابية، أو نشر سفن حربية إضافية في البحر الأحمر، أو فرض عقوبات على الشركات الداعمة للجماعة.
صرح باتريك سيمونيه، سفير الاتحاد الأوروبي لدى اليمن، بأن التحدي يكمن في كونه إنسانياً ودبلوماسياً في آن واحد: كيف يمكن لأوروبا مساعدة بلد يتصاعد فيه الصراع على جبهات متعددة، بينما تقيد الانقسامات السياسية الداخلية قدرتها على الاستجابة؟ خلال حديثه مع فيصل عباس، رئيس التحرير ومقدم بودكاست «وجهات نظر عربية»، في عمّان، أقر سيمونيه بخطورة الأزمة ودافع عن سجل أوروبا في تقديم المساعدات، وتناول التساؤلات حول ما إذا كانت بروكسل تبذل جهوداً كافية. ووصف الوضع في اليمن بأنه «يتخذ منحى بالغ الخطورة»، مشيراً إلى تجدد الصراع، والوضع الإنساني المروع في تعز، والهجمات اليومية العابرة للحدود باتجاه المملكة العربية السعودية، والتوترات المستمرة في البحر الأحمر، مما يعكس عودة الصراع على ثلاث جبهات.
أدت المعارك المتجددة إلى نزوح أكثر من ربع مليون شخص منذ الصيف. وشهدت الرياض هجمات صاروخية من الحوثيين، وعادت الملاحة في البحر الأحمر لمواجهة التهديدات، بينما تفاقمت الأزمة الإنسانية في تعز المحاصرة. زار سيمونيه، الذي تولى منصبه قبل عام وشغل سابقاً منصب سفير الاتحاد الأوروبي في الرياض وبغداد، تعز في مارس/آذار الماضي، ليصبح أول سفير يزور المدينة منذ أكثر من عقد. المدينة، التي قسمها الصراع منذ نحو عشر سنوات، تواجه عزلة متزايدة بسبب إغلاق الحوثيين للطرق المؤدية إليها. ووفقاً للأمم المتحدة، انقطع عن المدينة أكثر من 800 ألف شخص عن الغذاء والمساعدات الإنسانية.
قال سيمونيه: «يتمثل دورنا في دعوة القوات الحوثية إلى السماح بحرية مرور الإمدادات ورفع الحصار. ومن جانبنا، حشدنا في الاتحاد الأوروبي مزيداً من التمويل، لكن هناك حدوداً لما يمكن تحقيقه عبر زيادة التمويل إذا لم تتمكن من إدخال الغذاء والإمدادات إلى المدينة». وأضاف أن زيارته للمدينة أتاحت له بناء صلات شخصية مع سكانها، الذين أصبح من الصعب معرفة ظروفهم الحالية. وأعرب عن قلقه قائلاً: «فقدنا الاتصال بمعظم الأشخاص الذين تواصلنا معهم في المدينة، ولا نعرف مصيرهم. ولذلك، أصبح من الصعب جداً العثور على مصادر يمكن من خلالها التحقق من الوقائع والمعلومات. لكن هناك أشخاصاً يتحلون بشجاعة كبيرة في هذه المدينة، وقد أثارت قدرتهم على الصمود إعجابي». ووصف تقييمه للأوضاع بأنها «قاتمة»، مؤكداً أن الأوضاع «مروّعة»، وأن هناك حاجة ماسة لـ«وصول إنساني سريع وحر ودون عوائق إلى المدينة».
تظل أوروبا واحدة من أبرز الجهات المانحة لليمن. وأوضح سيمونيه أن الاتحاد الأوروبي، بما يشمل دوله الأعضاء الـ27، هو ثاني أكبر مقدم للمساعدات التنموية والإنسانية إلى اليمن، بعد المملكة العربية السعودية. وأشار إلى أن معالجة المشكلات تتطلب أكثر من مجرد تقديم الأموال أو الغذاء، بل يجب توفير فرص عمل وتمكين الناس من تحسين حياتهم.
أثارت الوضعية في تعز مخاوف بشأن نوعية الأسلحة المستخدمة ضد المدنيين. أفادت السلطات المحلية بأن قصفاً حوثياً تسبب في فقدان سكان للوعي ومعاناتهم من صعوبات في التنفس، ودعت الأمم المتحدة والمنظمة الدولية المعنية بحظر الأسلحة الكيميائية إلى التحقيق في احتمال استخدام مواد محظورة. قال سيمونيه: «ليست لدينا أي معلومات محددة بهذا الشأن. لقد سمعنا هذه التقارير مثلكم. وأعتقد أن الحكومة اليمنية نفسها تحقق في هذه التقارير، وسنتعامل مع نتائج ذلك بجدية بالغة».
خارج اليمن، أدت الهجمات الحوثية المتجددة على السعودية إلى تكثيف التدقيق في الاستجابة الأوروبية تجاه الجماعة. كان البرلمان الأوروبي قد صوّت لمصلحة إدراج الحوثيين على قائمة الاتحاد الأوروبي للمنظمات الإرهابية، لكن القرار النهائي يعود إلى حكومات الدول الأعضاء الـ27 بالإجماع. وصفت وزيرة الخارجية اليمنية، الدكتورة أفراح الزوبة، الحوثيين مؤخراً بأنهم أكثر خطورة من تنظيمي داعش والقاعدة. وعندما سُئل سيمونيه عن اتفاقه مع هذا التقييم، ركز على هجمات الجماعة ضد المدنيين السعوديين والبنية التحتية في المملكة، واصفاً إياها بأنها «صدمة بالغة» و«انتهاك واضح للقانون الدولي الإنساني»، وأنها «تهدف إلى بث الخوف بين المواطنين السعوديين». لكن الإدانة لم تتحول إلى تصنيف أوروبي موحد للحوثيين كمنظمة إرهابية، حيث يتطلب ذلك إجماع الدول الأعضاء.
أوضح سيمونيه أن القرارات المتعلقة بتصنيف المنظمات الإرهابية تتخذ بالإجماع من قبل وزراء الدول الـ27 في المجلس. وعندما ضغط فيصل عباس لمعرفة ما إذا كان الأمر مجرد عقبة بيروقراطية أو يعكس تردداً أعمق لدى بعض الحكومات الأوروبية، رد سيمونيه: «لا أعرف ما الذي يدور في أذهانهم. وكل ما يمكنني فعله هو التأكيد مجدداً أن الموضوع مطروح للنقاش. لا أستطيع التعبير عن رأيي الشخصي، فأنا أمثل الاتحاد الأوروبي فيما يتعلق بسياسته تجاه اليمن».
يسلط هذا الحوار الضوء على تساؤل أوسع بشأن مدى النفوذ الدبلوماسي الأوروبي على الحوثيين، في ظل سياسة الاتحاد القائمة على الحفاظ على قنوات الحوار مع الأطراف الإقليمية. قال سيمونيه: «نحن في الاتحاد الأوروبي نؤدي دورنا الدبلوماسي أيضاً. ونتحدث إلى جميع الأطراف الإقليمية». وعندما سُئل عما إذا كانت هذه المحادثات تشمل الحوثيين، أجاب: «تجري حالياً مناقشات كثيرة. وموقف الاتحاد الأوروبي واضح. أما ما إذا كانوا يريدون الاستماع أم لا، فتلك مسألة أخرى».
يمثل البحر الأحمر اختباراً آخر لمدى حزم الموقف الأوروبي، نظراً لأهميته الاقتصادية الكبيرة للاتحاد. تتولى المهمة البحرية التابعة للاتحاد الأوروبي، عملية «أسبيدس»، مرافقة السفن التجارية عبر المنطقة منذ عام 2024. ومع ذلك، قال مسؤول السياسة الخارجية في الاتحاد إن حماية الملاحة تتطلب أكثر من عشر سفن حربية، مقارنة بنحو ست سفن متاحة حالياً. امتنع سيمونيه عن تسمية الدول الأوروبية التي ترفض المساهمة بسفن إضافية، مؤكداً أن «خُمس تجارة الاتحاد الأوروبي يمر عبر البحر الأحمر، وهذا يوضح مدى أهمية هذا الممر».
يتجه الحوثيون بشكل متزايد إلى تجميع الصواريخ والطائرات المسيّرة داخل اليمن، باستخدام مكونات تُشترى من شركات صينية، مما يثير تساؤلات حول استعداد أوروبا لفرض عقوبات على الموردين. قال سيمونيه: «لا أستطيع التحدث باسم جميع دولنا الأعضاء، والقرارات المتعلقة بالعقوبات تُتخذ بالإجماع». وأضاف: «نشعر بالقلق إزاء هذه التقارير. وقد وردت أيضاً إشارة إلى المكونات مزدوجة الاستخدام في تقرير فريق خبراء الأمم المتحدة». وعندما سُئل عما إذا كان الاتحاد الأوروبي يثير هذه القضية مباشرة مع بكين، أقر سيمونيه بأنه لا يستطيع تأكيد ذلك، لكنه أشار إلى أن «النقاشات الموسعة مع الصين تجري، وأن هذه المسألة تُناقش في مجلس الأمن الدولي».
إلى جانب قضايا العقوبات والتصنيفات الإرهابية والأمن البحري، يبرز قلق آخر: هل أصبح المجتمع الدولي منشغلاً بالأهمية العسكرية والاستراتيجية لليمن لدرجة إغفال معاناة اليمنيين العاديين؟ حذر سيمونيه من أن العالم يميل إلى النظر إلى اليمن من زاوية الصواريخ وممرات الملاحة البحرية، بدلاً من النظر إلى سكانه. وأقر بوجود هذا الخطر، قائلاً: «إنه سؤال وجيه. أعتقد أن التسارع في الأحداث استحوذ على اهتمامنا. يجب ألا ننسى حقيقة اليمن: إنه بلد يمتلك إمكانات كبيرة وشعباً عظيماً يتمتع بقدرة كبيرة على الصمود».
من بين الذين يعانون في اليمن عشرات الموظفين التابعين للأمم المتحدة والعاملين في المجال الإنساني ومدنيين آخرين يحتجزهم الحوثيون. وظهرت أنباء عن وفاة محمد الشامي، أحد موظفي مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان، أثناء احتجازه. قال سيمونيه: «أعتقد أننا جميعاً نشعر بصدمة وحزن شديدين. هناك عشرات العاملين في المجال الإنساني محتجزون تعسفياً، وغالباً في ظروف بالغة الصعوبة. يجب أن يتوقف هذا الوضع. وقد دعمنا دعوة الأمم المتحدة إلى الإفراج عن هؤلاء الأشخاص».
عندما سُئل عما إذا كانت بروكسل ستتعامل بصورة مختلفة مع قضية احتجاز العاملين لو كان الشامي مواطناً أوروبياً، رد سيمونيه: «لا أريد الإجابة عن هذا السؤال، لأن حياة الإنسان بالنسبة إلينا هي حياة إنسان، أياً كان». ودعا مجدداً سلطات الأمر الواقع الحوثية إلى الإفراج عن جميع المحتجزين.
شدد سيمونيه على الالتزامات الإنسانية الأوروبية والانخراط الدبلوماسي للاتحاد، لكنه أشار إلى القيود المؤسسية التي تحكم اتخاذ القرارات المتعلقة بالعقوبات وتصنيف المنظمات الإرهابية. يبقى السؤال حول ما إذا كانت أوروبا تقف فعلياً إلى جانب اليمن، أم تكتفي بمراقبة الأحداث من بعيد، دون إجابة حاسمة.
في تقييمه لأداء أوروبا بعد عام، عبر سيمونيه عن أمله في «وضع يشهد تراجعاً في التصعيد»، مؤكداً أن الهدف هو «تحقيق مستوى من خفض التصعيد، لأن شعب البلاد يعاني كثيراً». وتعهد بالعودة إلى اليمن، بعد زيارته التاريخية لتعز، قائلاً: «سأفعل ذلك بالتأكيد. لن يمنعني شيء من العودة والتعبير عن دعمنا لشعب اليمن وحكومة اليمن».
لا يزال التناقض صارخاً بين الالتزامات الإنسانية الأوروبية والقرارات السياسية التي تنتظر التوافق عليها في بروكسل. ففي تعز، لا يزال أكثر من 800 ألف شخص محرومين من الوصول إلى الإمدادات الحيوية. وعبر الحدود، يواجه المدنيون السعوديون هجمات صاروخية متجددة. وفي البحر الأحمر، لا تزال السفن التجارية تواجه تهديداً أمنياً خطيراً. خصصت أوروبا موارد كبيرة لمساعدة اليمن، وتؤكد أنها ستواصل الانخراط في قضاياه. لكن السؤال الذي لم تجب عنه حكومات الاتحاد الأوروبي حتى الآن هو ما إذا كان هذا الالتزام يمكن أن يتحول إلى إجراءات دبلوماسية وسياسية وأمنية أكثر قوة وفاعلية.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة