خبير سعودي يكشف استراتيجية الرياض تجاه اليمن: شرطان أساسيان لأي حل مع الحوثيين


هذا الخبر بعنوان "خبير سعودي يرسم ملامح استراتيجية الرياض تجاه اليمن ويحدد شرطين “لأي حل” مع الحوثيين" نشر أولاً على موقع يمن مونيتور وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٦ أكتوبر ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
أكد الباحث والخبير السعودي في مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي، الدكتور هشام الغنام، أن مقاربة المملكة العربية السعودية تجاه الملف اليمني تقوم على رؤية استراتيجية تربط بين استقرار اليمن وأمن جواره الإقليمي. وشدد على أن فرص التفاهم مع جماعة الحوثي بصيغتها الحالية قد انتهت تماماً في ظل استمرار تصعيدها واستهدافها لأمن الملاحة والمنطقة.
وفنّد الغنام، خلال استضافته في “اليمن بودكاست”، الطرح الشائع حول تفضيل الرياض لخيارات جزئية أو انعزالية، موضحاً أن الحديث عن إغلاق الحدود لتفادي التهديدات تصور غير واقعي؛ لأن الخاصرة الجنوبية للجزيرة العربية لا تحتمل قيام دولة فاشلة. وأكد أن المعادلة محسومة: لا يمكن لليمن أن يكون آمناً ومصدراً للسلام لجيرانه ما لم يكن مستقراً ومزدهراً في الحد الأدنى.
وقال الغنام: “لا يمكن أن يكون الخيار بين الأمرين؛ فالأصل أن يكون اليمن مستقراً ومزدهراً حتى نأمن عدم حدوث أي مشكلات أو مخاطر من جهته. المعادلة مرتبطة ببعضها تماماً، ولا بد أن يكون اليمن في وضع سليم لضمان عدم تصدير أي تهديد.” وأضاف: “لا يمكن أن يبقى اليمن مفككاً وضعيفاً وتتخطفه الميليشيات والمجموعات المسلحة، ثم يتصور أحد ألا يأتي منه أي خطر؛ فهذا طرح لا يستقيم ولا وزن له، والمطلوب حتماً هو استقرار اليمن وازدهاره بالحد الأدنى الممكن.”
ولفت إلى أن “توجه المملكة، على الأقل في العقود الثلاثة الأخيرة، ينطلق من أن اليمن لا يمكن أن يُترك ليتحول إلى دولة فاشلة؛ لأن تداعيات ذلك ستمس دول الخليج كافة، والمنطقة لا تحتمل وجود دولة فاشلة في خاصرتها الجنوبية، ومن هنا فإن أطروحات إغلاق الحدود لعزل التهديد غير واقعية تماماً”.
في تشخيصه للبنية الهيكلية لحركة أنصار الله الحوثيين، رفض الغنام حصر توصيفها في إطار الميليشيا العابرة أو الاكتفاء بمصطلح سلطة الأمر الواقع المعتمد أممياً، واصفاً الجماعة بأنها باتت تمثل كائناً هجيناً يدمج بين السلوك الميليشياوي المسلح وبنية الدولة ومؤسساتها التي سيطرت عليها في العاصمة صنعاء.
واستشهد الغنام بنظرية الاقتصاد السياسي لمانكور أولسون في التفريق بين اللص المتجول واللص المستقر، مبيناً أن الحوثي تحول إلى لص مستقر يدير منظومة سلطوية موازية، ويجبي الضرائب، ويتحكم بالموانئ، ويمتلك أسلحة استراتيجية متطورة، وهو ما يجعل مواجهته وإسقاطه يتطلبان أدوات شاملة تشبه أساليب الردع الموجهة ضد الدول؛ عبر تشديد الحصار، واستهداف منافذ الإمداد، وتعطيل سلاسل تجميع الطائرات المسيرة والصواريخ الباليستية.
وقال الخبير السعودي: “أختلف مع تسمية الأمم المتحدة للحوثيين كسلطة أمر واقع؛ فالجماعة كائن هجين ركب على مؤسسات الدولة القائمة وجمع بين خصائص الميليشيات وسلوك الدولة. وكما يفرق مانكور أولسون بين اللص المتجول واللص المستقر، فالحوثي لص مستقر يملك منظومة حكم وهياكل موازية، مما يجعل التعامل معه أشد تعقيداً من مواجهة ميليشيات مسلحة عابرة.”
ولفت إلى أنه “حين نُعرّف الجماعة ككيان هجين نضعها في إطارها الطبيعي؛ فاغتيال القادة وحده لم يعد كافياً لإنهائها لأن المعرفة والخبرات باتت موزعة ومؤسسية داخل هذه المنظومة.” وقال إن “الحديث عن مناعة الحوثي من التأثر أو الردع غير دقيق؛ فلكونه كائناً هجيناً، يتأثر بما تتأثر به الدول عبر استراتيجيات الردع، خصوصاً إذا أُغلقت أمامه المنافذ وضُربت الموانئ وحُوصِرت سلاسل توريد وتصنيع الصواريخ والمسيّرات التي يعتمد على تجميع أجزائها محلياً.”
وشدد الخبير السعودي على أن أي تسوية أو تفاوض قادم مشروط بحدين فاصلين لا تنازل عنهما. وقال بنبرة جازمة إن المملكة لا يمكن أن تسمح بوجود جماعة مسلحة على حدودها الجنوبية تشكل تهديداً لأمن المنطقة، كما لا يمكن القبول باستمرار تسلط هذه الجماعة وتنكيلها بالشعب اليمني، محذراً من محاولات الفصل بين البعدين لأن علاقة تسلط الحوثي في الداخل ترتبط ارتباطاً طردياً بنزعته لتهديد الإقليم وممراته المائية.
وقال في “اليمن بودكاست” الذي يقدمه أسامة عادل: “الفرص التي أُتيحت للحوثي للتعاطي بعقلانية انتهت، ولم يعد التفاهم ممكناً مع استمرار تسلطه؛ فالمملكة لن تقبل بوجود جماعة مسلحة على حدودها الجنوبية تهدد الأمن الإقليمي، كما لا يمكن السماح باستمرار تسلطها وتنكيلها بالشعب اليمني لأسباب أمنية وإنسانية حاسمة.”
ولفت هشام الغنام إلى أن “أي مسار تقوده الشرعية والتحالف العربي يستند إلى ركيزتين: ألا تكون الجماعة أداة لتهديد الإقليم، وألا يستمر تسلطها على اليمنيين، ومحاولة الفصل بين الأمرين لن تقود إلى استقرار لأن التهديد الخارجي متصل جوهرياً بالقمع الداخلي.” وقال: “الشرطان الأساسيان لأي حل هما: ألا يملك الحوثي القدرة على تهديد الإقليم وأمنه، وألا يهدد الداخل اليمني، فهما مساران متلازمان، ومسألة استمرار الحركة بشكلها الراهن باتت صفحة طُويت تماماً.”
حول إدارة الصراع الميداني، دعا الغنام إلى انتهاج مبدأ التمرحل العسكري وعدم الوقوع في ما أسماه كلفة الجمهور عبر رفع شعارات غير واقعية تتجاوز أولويات اللحظة الراهنة؛ مبيناً أن التركيز المباشر يجب أن ينصب على حسم معركة الساحل الغربي لتعديل ميزان القوى على الأرض، وقطع شرايين تهريب المكونات والأسلحة القادمة من الخارج.
ورأى أن السيطرة على جبهة الساحل وباب المندب تعد المحطة المفصلية التي ستحدد شكل التوازنات الإقليمية لعقدين قادمين، محذراً من تكرار فخاخ الهدن المؤقتة والرقابة الدولية الضعيفة التي استغلها الحوثيون سابقاً لإعادة بناء ترسانتهم وتوسيع قدراتهم الهجومية.
وقال الخبير السعودي “استغل الحوثيون الهدن السابقة لتكثيف قدراتهم مستفيدين من ضعف الرقابة الأممية وتهريب المكونات العسكرية، وأي تسوية لا تبدأ بتغيير ميزان القوى على الأرض ستعيد إنتاج الأزمة نفسها، ومن هنا تكتسب معركة الساحل طابعاً مصيرياً في صياغة مشهد الإقليم للعقدين القادمين.”
ولفت إلى أن “المعركة الحالية مفصلية ومصيرية للتحالف والشرعية، ولا بد من إعطاء الأولوية لتعديل ميزان القوى وتطبيق التمرحل العسكري وعدم رفع سقف الوعود بما يكبّدنا كلفة شعبية باهظة دون إنجاز الأهداف التكتيكية أولاً.” وقال: “التمرحل ضرورة تفرض حسم معركة الساحل كأولوية تسبق أي مراحل تالية، فالمعادلة الميدانية يجب أن تتغير عبر إنهاء القدرات العسكرية النوعية المماثلة لجيوش الدول، كالصواريخ الباليستية والمسيّرات بعيدة المدى.”
وتطرق الغنام إلى الجبهة الموازية للمواجهة العسكرية، مبرزاً الأهمية القصوى لبناء نموذج حكم رشيد في المناطق المحررة، وفي مقدمتها العاصمة المؤقتة عدن؛ لإسقاط الشرعية السياسية والأخلاقية عن مشروع الحوثي أمام عموم اليمنيين.
واعتبر أن توفير الخدمات الأساسية من كهرباء ومياه وتثبيت الأمن وإرساء مؤسسات قوية وشفافة يمثل مسؤولية مشتركة بين الشرعية اليمنية ودول التحالف والمنظومة الإقليمية برمتها. وقال: “نزع الشرعية عن الجماعة يتطلب إرساء نموذج حكم رشيد وبديل مؤسسي أفضل في المناطق المحررة، حتى يرى المواطن نموذجاً حياً للدولة والخدمات يختلف جذرياً عما يعيشه تحت سيطرة الميليشيا.”
ولفت الخبير السعودي إلى أن “بناء الدول ليس أمراً هيناً نظراً لتصادم المصالح والتعقيدات على الأرض، ومع إدراكنا لصعوبة التحدي، فإن معالجة ملف الخدمات وبناء المؤسسات واجب حتمي لا بد من مواجهته وإنجازه.” وقال إن: “إنجاح نموذج الدولة في اليمن مسؤولية مشتركة لا تقع على عاتق اليمنيين أو المملكة وحدهما، بل هي قضية إقليمية ودولية تقتضي ألا يُترك الشعب اليمني ساحة لتصفية الحسابات أو ورقة لإثارة التوتر في الخليج.”
في تناوله لأزمة الملاحة الدولية، أكد الغنام أن مضيق باب المندب تحول إلى النقطة الأكثر توتراً وسخونة في العالم، لا سيما مع اندماجه في مسارات الصراع الجيوسياسي وتأثيره الحرج على إمدادات الطاقة وحركة التجارة، فضلاً عن ارتداداته المباشرة على دول المنطقة كجمهورية مصر العربية جراء تراجع عائدات قناة السويس.
ولفت إلى أن “التوترات البحرية ضاعفت القيمة الجيوسياسية لمضيق باب المندب ليصبح من أكثر نقاط التماس حساسية في العالم، إذ بات استهدافه يؤثر في حركة التجارة واقتصادات دول الخليج والمنطقة برمتها.” وقال إن “البحث عن مسارات تجارية بديلة لا يعني إهمال تأمين باب المندب؛ إذ لا يمكن القبول ببقاء الخطر قائماً في هذا الممر الحيوي، وإزالة التهديد عنه نهائياً تظل هدفاً استراتيجياً لا بديل عنه.”
وأشار الخبير السعودي إلى أن “مصر تتأثر بشكل مباشر بما يدور في البحر الاحمر نتيجة تراجع عائدات قناة السويس، ومن غير المقبول لأي طرف إقليمي استمرار مستوى التوتر في المضيق بما يحمله من خسائر اقتصادية واستراتيجية بالغة.”
اختتم الدكتور هشام الغنام حديثه بالتأكيد على أن الغاية النهائية التي يجب التمسك بها تكمن في توحيد القرار العسكري اليمني واحتكار الدولة الشرعية للسلاح، ودمج اليمن لاحقاً ضمن منظومة مجلس التعاون لدول الخليج العربية كبلد مستقل وقائم بذاته، محذراً في الوقت عينه من خطر تراجع الاهتمام الدولي بالملف بمجرد انخفاض وتيرة التصعيد الإخباري، ومشدداً على ضرورة المضي قدماً في تفكيك أدوات التهديد لضمان مستقبل آمن للشعب اليمني وجيرانه.
كما يشدد على أن الهدف هو إنهاء هذه الجماعة وتفكيكها لضمان الأمن، قائلاً: “الهدف الآن اللي واضح بالنسبة لي أنه لا يبقى بهذا الشكل أبداً، الحركة لابد أن تفكك.. لا الإقليم بيستوعبها، لا الجوار بيستوعبها، ولا الداخل اليمني، لذلك أنا قلت لك لابد أن الحركة بشكلها الحالي تنتهي.”
وقال إن “جوهر الحل المستقبلي يكمن في مسألتين أساسيتين: توحيد القرار العسكري اليمني، واحتكار مؤسسات الدولة الشرعية للسلاح دون منازع؛ فكل استقرار سياسي واقتصادي ينطلق من حسم هذه القضية.”
ولفت الخبير السعودي: “المبتغى النهائي هو أن يقف اليمن على قدميه كدولة مستقلة ومزدهرة تدير علاقاتها بندية مع جيرانها، وأن يندمج مستقبلاً ضمن منظومة مجلس التعاون لدول الخليج العربية ككتلة اقتصادية وأمنية واحدة.”
ويؤكد الضيف على ضرورة عدم التوقف في منتصف الطريق، مشدداً على أن العالم سيفقد اهتمامه بالملف بمجرد انخفاض مستوى العنف، مما يحتم المضي قدماً حتى النهاية. “على الإقليم والشرعية عدم التوقف في منتصف الطريق إذا تراجعت وتيرة التصعيد؛ فالخطر الحقيقي يكمن في فخاخ التهدئة التي تفقد المجتمع الدولي اهتمامه بالملف، والواجب هو الاستمرار حتى تفكيك مصادر التهديد وضمان يمن مستقر ومزدهر بصورة دائمة.”
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة