اليمن
سياسة

اليمن: انكشاف المشروع الحوثي وبداية تآكل قوته

يمن مونيتور٢١ أكتوبر ٢٠٢٦ في ١٠:٣٤ م0 مشاهدة
اليمن: انكشاف المشروع الحوثي وبداية تآكل قوته

تنويه

هذا الخبر بعنوان "الانكشاف الحوثي.. بداية السقوط" نشر أولاً على موقع يمن مونيتور وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢١ أكتوبر ٢٠٢٦.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

على مدى أكثر من عقد، نجحت جماعة الحوثي في التحرك ضمن منطقة رمادية، مقدمة نفسها بصور متعددة لتناسب مختلف الجماهير. ادعت الحركة أنها دينية تدافع عن الهوية والإيمان، وقوة سياسية تتحدث عن الشراكة والسيادة، وحركة مقاومة ترفع شعار فلسطين، وسلطة أمر واقع تطالب المجتمع الدولي بالتعامل معها. هذا التعدد في الخطاب ساعدها على استثمار التناقضات الإقليمية والدولية وإخفاء تناقضاتها الداخلية. إلا أن السنوات الأخيرة وضعت هذه الخطابات أمام اختبار الممارسة، حيث بدأت الشعارات تتصادم مع السلوك السياسي والعسكري وطبيعة السلطة القائمة في مناطق سيطرتها. ما يجري يمكن قراءته كمرحلة انكشاف متزايد، رغم احتفاظ الجماعة بقدرات عسكرية مؤثرة.

كان شعار نصرة غزة أداة حشد حوثية بارزة، حيث قدمت الجماعة عملياتها في البحر الأحمر كجزء من المواجهة مع إسرائيل، مستثمرة التعاطف العربي والإسلامي مع القضية الفلسطينية. لكن هذا الخطاب يواجه اليوم تناقضاً صارخاً؛ فالجماعة التي تدعو لكسر الحصار عن غزة تفرض حصاراً على مدينة تعز، مما يسبب معاناة إنسانية قاسية للسكان بسبب إغلاق الطرق وتقييد الحركة وتعطيل وصول الإمدادات. هذه المفارقة بين الدفاع عن المدنيين في الخارج والممارسات بحق المدنيين في الداخل، وبين الدعوة لكسر الحصار عن غزة والإصرار على إبقائه مفروضاً على تعز، تضرب مصداقية الخطاب الحوثي.

الانكشاف الأعمق يتعلق بطبيعة المشروع السياسي والفكري للجماعة. منذ سيطرتها على صنعاء في سبتمبر 2014، ظل خطاب الشراكة السياسية حاضراً، بينما اتجهت الممارسات نحو احتكار السلطة، إخضاع المؤسسات، إضعاف التعددية الحزبية، وإقصاء الخصوم السياسيين. يتصل بذلك انكشاف الأساس الديني للحكم لدى الجماعة، وتصوراتها التي تمنح النسب والسلالة امتيازاً سياسياً وحقاً خاصاً في القيادة. ادعاء الحق الإلهي في الحكم يتعارض مع مبدأ المواطنة المتساوية وحق الشعب في اختيار حكامه ومحاسبتهم. يصعب الجمع بين الإيمان بحق سلالة محددة في القيادة والقبول بقيم الديمقراطية والشراكة السياسية. حاول الخطاب الحوثي إخفاء هذا التناقض بين لغة الجمهورية والمواطنة التي تخاطب بها الداخل والخارج، وبين مفاهيم الاصطفاء والولاية والحق الخاص في الحكم التي يستند إليها خطابها التعبوي. هذا الغموض المتعمد ساعدها على توسيع دائرة المتعاطفين، لكنه أصبح اليوم مصدراً لانكشاف مشروعها.

على المستوى الحقوقي، الفجوة بين الخطاب والممارسة واضحة. وثقت منظمات دولية الاعتقالات التعسفية، الاختفاء القسري، تقييد حرية الصحافة والحركة، واحتجاز موظفين أمميين وعاملين في المنظمات الإنسانية. هذه الممارسات تكشف طبيعة السلطة وحدود قبولها بالحريات العامة وحقوق المواطنين.

إقليمياً، استطاع الحوثيون الجمع بين خطاب الاستقلال الوطني وعلاقة عسكرية وسياسية وثيقة بإيران. لكن تطور قدراتهم الصاروخية والمسيّرة، واتساع عملياتهم إلى البحر الأحمر ودول الجوار، جعل هذه العلاقة أكثر حضوراً في حسابات الأمن الإقليمي، وكشف حجم التقاطع بين تحركات الجماعة والمصالح الاستراتيجية الإيرانية. أصبح من الصعب التعامل مع الحوثيين كطرف يمني محلي معزول عن المشروع الإيراني الأوسع. الهجمات على الملاحة والمنشآت المدنية والطاقة، والتقدم نحو باب المندب، أدخلت الجماعة في مواجهة مصالح دولية تتجاوز أطراف الحرب اليمنية. هنا يظهر انكشاف آخر في شعار السيادة؛ فالجماعة التي تقدم نفسها حامية للاستقلال اليمني باتت سياساتها العسكرية مرتبطة بصراعات إقليمية أوسع، والجغرافيا اليمنية جزءاً من معادلة الضغط على طرق التجارة والطاقة العالمية. هذا يضع خطابها الوطني أمام تساؤلات متزايدة حول كلفة هذه الخيارات على اليمنيين.

أخطر ما تواجهه الجماعة اليوم هو أن هذا الانكشاف يحدث في اتجاهات متعددة وفي وقت واحد. فهي مطالبة بتفسير التناقض بين خطابها الديني وممارساتها السياسية، بين شعاراتها الوطنية وارتباطاتها الإقليمية، وبين ادعاء الدفاع عن المظلومين وما يعيشه اليمنيون في مناطق سيطرتها. هذه التناقضات، التي تجاوزتها الجماعة لسنوات بالمناورة الإعلامية والتعبئة الأيديولوجية، تتراكم اليوم وتضيق معها مساحة المناورة.

في البحر الأحمر، تحولت العمليات التي قدمتها الجماعة كنصرة لفلسطين إلى مصدر تهديد للملاحة الدولية، وأدخلت اليمن في حسابات أمنية وعسكرية تتجاوز قضيته الوطنية. مع كل هجوم على السفن، تتسع دائرة الأطراف المتضررة، وتتراجع قدرة الحوثيين على إقناع العالم بأن عملياتهم لا تستهدف سوى خصوم محددين. القضية الفلسطينية، التي استثمرتها الجماعة لتعزيز حضورها السياسي والإعلامي، أصبحت عاجزة عن حجب التداعيات الأوسع لسلوكها العسكري.

على المستوى الداخلي، المشكلة أعمق من تراجع شعبية. الجماعة التي وصلت إلى السلطة بقوة السلاح لم تنجح في تقديم مشروع وطني يتسع لليمنيين. بعد أكثر من عقد على سيطرتها على صنعاء، ما زالت تنظر إلى الشراكة السياسية كتهديد لسلطتها، وإلى الاختلاف كخروج على مشروعها. أدى ذلك إلى تحويل مؤسسات الدولة من إطار جامع للمواطنين إلى أدوات لإحكام السيطرة السياسية والأمنية.

لسنوات، استفادت الجماعة من انقسام خصومها، تردد المجتمع الدولي، وقدرتها على تغيير عناوين الصراع. تارة تتحدث عن مظلومية تاريخية، تارة عن ثورة شعبية، ثم عن مواجهة العدوان، وأخيراً عن نصرة فلسطين. كل شعار جديد منحها فرصة لتأجيل الأسئلة المتعلقة بمشروعها الحقيقي وطبيعة الحكم الذي تريد فرضه. لكن تبديل الشعارات لا يخفي التناقضات إلى الأبد. أصبح اليمنيون أمام تجربة حكم يمكن تقييمها بنتائجها، لا بوعودها. وأصبح المجتمع الدولي أمام جماعة يمكن الحكم على سلوكها بما تمارسه على الأرض، لا بما تقوله في بياناتها. هذه هي نقطة التحول الأهم: انتقال الحوثيين من الاستفادة من غموض مشروعهم إلى تحمل تبعات انكشافه. امتلاك الجماعة للصواريخ والمسيّرات والقدرات القتالية لا يعني امتلاكها لمقومات البقاء السياسي. القوة العسكرية تفرض السيطرة، لكنها لا تنتج القبول إلى ما لا نهاية. التعبئة القائمة على الشعارات تحتاج باستمرار إلى عدو جديد ومعركة جديدة، حتى لا تتجه الأنظار إلى الإخفاقات الداخلية. مع تراكم الأعباء الاقتصادية والاجتماعية واستمرار الحرب، تصبح المحافظة على مستويات الحشد والتجنيد أكثر كلفة، وتزداد صعوبة تعويض الخسائر البشرية والمعنوية.

تزداد خطورة هذا المسار على الجماعة مع تغير نظرة الأطراف الإقليمية والدولية إليها. فقد أتاحت لها الحسابات السياسية لسنوات هامشاً واسعاً للمناورة، وساعدها التعامل معها كجزء من أزمة يمنية داخلية على تجنب مواجهة شاملة مع نتائج مشروعها. أما اليوم، فقد أصبحت أنشطتها في البحر الأحمر وعلاقتها بإيران وتهديداتها للأمن الإقليمي عوامل رئيسية في تقييمها. ربما تكون هذه بداية انتقالها من موقع الطرف الذي يستفيد من تردد الآخرين إلى موقع الطرف الذي تتقاطع مصالح أطراف متعددة في الحد من نفوذه.

ليس بالضرورة أن يأتي السقوط في صورة هزيمة عسكرية خاطفة. قد يبدأ بفقدان القدرة على إقناع الناس، ثم بتراجع الحشد، واتساع التذمر داخل مناطق السيطرة، وتآكل التحالفات والمصالح التي قامت عليها السلطة. عندما تتزامن هذه العوامل مع ضغوط عسكرية واقتصادية وسياسية، فإن ما يبدو اليوم قوة متماسكة قد يجد نفسه أمام أزمة لا تستطيع الترسانة العسكرية وحدها معالجتها.

لقد استطاع الحوثيون خلال عقد كامل أن يستثمروا المنطقة الرمادية بين الدين والسياسة، بين المقاومة والسلطة، وبين الاستقلال الوطني والارتباط بالمشروع الإيراني. لكن تلك المنطقة تضيق اليوم، وتنكشف معها حقيقة مشروع لم يقدم لليمنيين دولة تتسع لهم، ولا شراكة تحمي اختلافهم، ولا استقراراً ينهي معاناتهم. قد يظل الحوثيون قوة عسكرية قادرة على القتال، لكن المعركة التي يخسرونها تدريجياً هي معركة المشروعية والمصداقية. حين يفقد مشروع سياسي قدرته على تبرير وجوده، تصبح قوته العسكرية وسيلة لتأجيل أزمته، لا ضمانة للنجاة منها. هنا تكمن بداية السقوط: ليس في عدد المواقع التي يخسرها الحوثيون، بل في انكشاف المشروع الذي قاتلوا من أجله، وتراجع قدرة شعاراته على إخفاء حقيقته.

شارك الخبر: