اليمن كدرع خليجي: الحكومة تسعى لترسيخ قيمته الاستراتيجية في منظومة الردع الإقليمي


هذا الخبر بعنوان "إعادة اكتشاف القيمة الاستراتيجية.. كيف تحاول الحكومة تثبيت اليمن داخل منظومة الردع الخليجي؟" نشر أولاً على موقع يمن مونيتور وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢ سبتمبر ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
لطالما نظرت دول الخليج إلى اليمن كقضية أمنية على حدودها الجنوبية، تمثلت في دولة ضعيفة، حرب مستمرة، جماعات مسلحة، وتهديد متكرر للحدود السعودية. إلا أن التطورات الأخيرة، خاصة مع تصاعد التوتر في مضيق هرمز وعودة الحوثيين لتهديد السفن في البحر الأحمر، قد بدأت تدفع نحو مقاربة مختلفة. لم يعد اليمن مجرد خاصرة رخوة للخليج، بل أصبح جزءًا لا يتجزأ من البنية التي سيتحدد عبرها أمن الخليج نفسه.
في هذا السياق، تسعى الحكومة اليمنية إلى إعادة تعريف موقع اليمن في الحسابات الخليجية. فبدلاً من الصورة التقليدية لبلد منكوب يعتمد على الدعم المالي والدفاعي من السعودية ودول مجلس التعاون، تطمح عدن إلى أن تصبح الجبهة الجنوبية لمنظومة أمن الخليج. فاليمن يمتلك ساحلاً طويلاً على البحر الأحمر وخليج عدن، ويطل على باب المندب، ويمكن لقواته البحرية وخفر سواحلها ومؤسساته الأمنية المساهمة بفعالية في حماية التجارة والطاقة.
تتمحور الفكرة التي تسعى عدن لترسيخها حول أن دول الخليج لا يمكنها بناء منظومة دفاع بحري مستقرة ما لم يكن الساحل اليمني تحت سيطرة دولة قادرة على فرض القانون، مراقبة الموانئ، ومنع تهريب السلاح. وقد اكتسب هذا الطرح زخمًا أكبر عندما ربط مجلس الوزراء السعودي في 25 أغسطس بين هرمز وباب المندب في صياغة أمنية واحدة، مؤكدًا على ضرورة إبقاء المضيقين وجميع الممرات الحيوية «مفتوحة وآمنة وخالية من التهديدات». لأول مرة منذ سنوات، لم يعد أمن اليمن بالنسبة للرياض مرتبطًا فقط بأمن حدود جازان ونجران، بل أصبح مرتبطًا بقدرة المملكة على تأمين مسار آمن للطاقة والتجارة في حال تعطل هرمز.
يمكن قراءة الجولة الخليجية الأخيرة لوزيرة الخارجية اليمنية أفراح الزوبة في هذا الإطار. بدأت الجولة من البحرين، وشملت قطر والكويت، حاملة رسالة مفادها أن اليمن ليس مجرد دولة تطلب المساعدة، بل يشكل امتدادًا جغرافيًا وأمنيًا للخليج. والأهم من ذلك، بدأت الحكومة تربط هذه الفكرة مباشرة بأمن السواحل والممرات البحرية.
كان أمن البحر الأحمر وباب المندب وحرية الملاحة ضمن الملفات المعلنة منذ بداية الجولة، والرسائل التي وزعتها الزوبة نيابة عن رئيس مجلس القيادة الرئاسي. وفي البحرين، تم تقديم المنامة كمركز مهم في منظومة الأمن البحري الإقليمي. وفي قطر، تم التأكيد على أن «الأمن البحري المستدام يبدأ بتمكين الدولة اليمنية من حماية سواحلها»، وربط أمن هرمز وباب المندب ضمن معادلة واحدة.
هذا التحول في الخطاب ليس مجرد محاولة للحصول على مزيد من الدعم السياسي، بل يحمل حسابات أكثر واقعية. فقد أثبت الحوثيون مؤخرًا أنهم قادرون على فرض تكلفة على السعودية وشركات الشحن دون الحاجة لإغلاق باب المندب، وذلك بجعل بعض الناقلات أهدافًا محتملة، رفع كلفة التأمين، وتعطيل موانئ مثل المخا. لذلك، فإن الرسالة التي تحملها الجولة بسيطة: إذا كان الحوثيون قادرين على تحويل الساحل اليمني إلى منصة لتهديد الملاحة، فإن دعم الحكومة لاستعادة وظائف الدولة لم يعد استثمارًا في استقرار اليمن وحده، بل استثمارًا في الدفاع الخليجي المشترك.
عندما تقول الخارجية اليمنية إن اليمن يشكل امتدادًا جغرافيًا وأمنيًا واقتصاديًا لدول الخليج، فهي تحاول عمليًا تغيير السؤال الخليجي من «كم سيكلف دعم اليمن؟» إلى «كم سيكلف ترك اليمن خارج المنظومة الأمنية؟».
لم يكن التحول دبلوماسيًا فقط، بل بدأت الحكومة بالتوازي محاولة بناء المؤسسات التي تسمح لها بادعاء هذا الدور. ففي يوليو/تموز، وضعت بالتعاون مع المنظمة البحرية الدولية خريطة طريق لإنشاء مركز وطني لتبادل المعلومات البحرية في عدن، يربط خفر السواحل والقوات البحرية والموانئ والجمارك والأجهزة الأمنية ضمن منظومة واحدة، ويربط اليمن أيضًا بشبكة تبادل المعلومات الإقليمية. وفي أغسطس، انتقلت إلى العمل على إنشاء لجنة وطنية للأمن البحري تكون مسؤولة عن استراتيجية موحدة لحماية السواحل والموانئ والسفن.
تبدو هذه الخطوات إدارية، لكنها تمس نقاط ضعف مزمنة لدى الحكومة. فاليمن يملك أكثر من ألفي كيلومتر من السواحل، لكنه يفتقر إلى منظومة متماسكة تدير أمنها. وإذا استطاعت الحكومة بناء نظام يربط المعلومات البحرية بالرقابة الجمركية والاستخبارات والعمليات الميدانية، فإنها ستصبح أكثر قدرة على تقديم نفسها كشريك حقيقي للأمن الخليجي. وتشير الإجراءات الأخيرة ضد التهريب في الاتجاه نفسه، حيث يعكس تشديد الرقابة على المنافذ والموانئ والمواد مزدوجة الاستخدام والذهب والعملات، وفحص السفن المرتبطة بشبكات العقوبات، محاولة لربط الأمن البحري بالأمن المالي واللوجستي.
إن طموح الحكومة اليمنية بالاندماج في منظومة أمن الخليج يواجه تحديًا يتمثل في ضرورة توحيد منظومتها الأمنية الداخلية أولاً. فتعدد القوات، وتباين الولاءات، والانقسام بين مراكز القرار، وتفاوت السيطرة على الموانئ والمنافذ، كلها تحد من قدرتها على تقديم نفسها كدولة أمنية متماسكة. لا يكفي أن تقول إن باب المندب يحتاج إلى دولة يمنية قوية؛ عليها أن تثبت أن هذه الدولة تستطيع فرض سلطتها على الساحل.
لحظة اليوم تمنح الحكومة فرصة لم تتوافر لها منذ سنوات، فقد أصبح أمن اليمن مرتبطًا فعليًا بأمن الممرات التي تعتمد عليها دول الخليج. ومع اضطراب هرمز وعودة التهديد إلى البحر الأحمر، لم يعد من السهل الفصل بين مستقبل الدولة اليمنية ومستقبل أمن الطاقة في المنطقة. السؤال الآن ليس ما إذا كان الخليج يحتاج إلى يمن مستقر، بل ما إذا كانت الحكومة قادرة على إقناع دول الخليج بأن بناء الدولة اليمنية نفسها يجب أن يصبح جزءًا من هندستها الدفاعية. وإذا نجحت في ذلك، فستتغير العلاقة من مساعدات تُدفع لمنع الانهيار إلى شراكة أمنية طويلة المدى. أما إذا بقيت المؤسسات أضعف من الخطاب، فسيظل اليمن في الموقع نفسه: بلدا يملك واحدة من أهم الجغرافيات في المنطقة، لكنه لا يملك بعد الدولة القادرة على تحويل تلك الجغرافيا إلى قوة.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة