جبايات الحوثيين: كيف يمولون سلطتهم على حساب المواطنين والتجار؟


هذا الخبر بعنوان "اقتصاد الجبايات.. من يدفع كلفة تمويل السلطة في مناطق الحوثيين؟" نشر أولاً على موقع يمن مونيتور وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٨ أكتوبر ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
تحولت جبايات مليشيا الحوثي من مجرد وسيلة لتحصيل الإيرادات إلى منظومة مالية معقدة تتداخل فيها الضرائب والرسوم الرسمية مع الإتاوات المفروضة تحت مسميات مختلفة. تمتد هذه المنظومة عبر قطاعات التجارة والاستيراد والاتصالات والطاقة والخدمات، لتصبح إحدى أبرز الأدوات التي تعتمد عليها الجماعة في ترسيخ سلطتها وتوفير الموارد اللازمة لأنشطتها العسكرية والدعائية.
منذ انقلابها على الدولة في سبتمبر 2014، أعادت المليشيا تشكيل الإدارة المالية والاقتصادية في المناطق الخاضعة لسيطرتها. لم يقتصر الأمر على إخضاع المؤسسات القائمة لنفوذها، بل امتد إلى بناء شبكة متداخلة من أدوات التحصيل والرقابة على النشاط التجاري، مستفيدة من سيطرتها على المؤسسات الإيرادية والمنافذ، وأجهزة الترخيص، والقطاعات الخدمية. ومع مرور الوقت، تراجعت الحدود الفاصلة بين إدارة الموارد العامة وتوظيفها لخدمة مصالح الجماعة، لتنشأ منظومة تجمع بين الجباية الإدارية والإكراه السياسي والاقتصادي.
تكشف تقارير فريق الخبراء التابع للأمم المتحدة عن اتساع هذه المنظومة وتعدد قنواتها. ففي تقريره الصادر في 2024، قدر الفريق الإيرادات التي جمعتها الجماعة خلال 2023 بنحو 3.392 تريليون ريال يمني. وأشار إلى تحصيل مبالغ إضافية من السلع المنقولة من مناطق الشرعية إلى المناطق الخاضعة لسيطرتها، عبر نقاط تحصيل داخلية، قدرت بنحو 300 مليار ريال في العام نفسه. كما وثق التقرير فرض رسوم بوسائل مختلفة، والاستيلاء على شركات، فضلا عن إيرادات مرتبطة بقطاع الاتصالات.
تكتسب هذه المعطيات أهميتها من كونها ترسم صورة لاقتصاد جبايات يتجاوز الضرائب التقليدية إلى أدوات متعددة لاستخراج الموارد من النشاط الاقتصادي. لا تنحصر المشكلة في حجم الأموال المحصلة، بل تمتد إلى طبيعة النظام الذي ينتجها، ومن يحدد أوجه إنفاقها. ففي الدولة، يفترض أن تخضع الضرائب والرسوم لقواعد قانونية واضحة، ثم تضم الإيرادات إلى الموازنة العامة، وتوجه إلى النفقات والخدمات وفق آليات معلنة وقابلة للمساءلة. لكن حين تتعدد الجبايات خارج الأطر القانونية، وتفرض على التجار تحت الضغط والتهديد، يتحول التحصيل إلى وسيلة لإخضاع النشاط الاقتصادي، ويصبح استمرار الأعمال التجارية مرتبطا، بدرجة متزايدة، بقدرة أصحابها على الامتثال لتلك الممارسات.
من أبرز صور هذه الجبايات الرسوم المفروضة على حركة البضائع القادمة إلى المناطق الخاضعة لسيطرة المليشيا؛ إذ يواجه التاجر المستورد لبضاعته تكاليف إضافية إلى جانب الرسوم الجمركية عند نقلها من مناطق الشرعية، بفعل نقاط التحصيل الداخلية. ومن الطبيعي ألا تبقى هذه التكاليف عبئا محصورا على التاجر وحده؛ فهي تدخل في حسابات النقل والتوزيع وهوامش الربح، قبل أن تنعكس على السعر النهائي الذي يدفعه المستهلك. وعليه، تتحول الجبايات المتكررة إلى ضريبة خفية على الاقتصاد، وتضعف قدرة المنتجات المحلية على المنافسة، خصوصا لدى المنشآت الصغيرة والمتوسطة التي لا تمتلك الموارد الكافية لامتصاص النفقات المتزايدة.
في دراسة نشرها مركز المخا للدراسات الاستراتيجية عام 2026 عن نقاط التحصيل الجمركي في مناطق سيطرة مليشيا الحوثي، قُدّرت الإيرادات السنوية لهذه النقاط في 2023 بنحو 90 إلى 120 مليار ريال، وهو تقدير أدنى من رقم الفريق الأممي، والفارق نفسه يعكس غياب الشفافية. وتوضح الدراسة أن هذه النقاط تفرض رسوما إضافية على بضائع سبق تخليصها في المنافذ الرسمية. والأثر الأوسع لهذه الممارسة يكمن في تعميق الانقسام الاقتصادي بين مناطق البلاد، وتقييد حرية انتقال السلع، وزيادة كلفة التجارة الداخلية.
وقدرت الدراسة الإيرادات السنوية التي تحصل عليها الجماعة من القطاع الخاص عموما بنحو 1.5 تريليون ريال يمني، أي ما يعادل نحو 2.5 مليار دولار، تشمل الضرائب والجمارك والرسوم والجبايات، إضافة إلى مبالغ تُفرض تحت مسمى “المجهود الحربي”. ولا تمثل التجارة سوى أحد مصادر التمويل، إذ سعت المليشيا إلى استنزاف القطاعات الاقتصادية المختلفة واستغلال أجزاء كبيرة من إيراداتها لصالح أغراضها العسكرية. فالاتصالات والطاقة والصرافة والاستيراد كلها قطاعات امتدت إليها أيدي الحوثيين وممارساتهم، وقد أشار تقرير فريق الخبراء الأممي لعام 2025 إلى أن سيطرة الجماعة الكاملة على قطاع الاتصالات أتاحت لها الوصول إلى موارد مالية كبيرة، وُجّه بعضها إلى الأنشطة العسكرية. فيما لفت مركز المخا إلى أن الجماعة ركزت على القطاعات الأكثر ربحية، وفي مقدمتها النفط والطاقة، كما وسعت نفوذها في قطاع الصرافة والتحويلات المالية، إلى جانب السيطرة على جزء كبير من أنشطة الاستيراد والتجارة.
المفارقة المؤلمة أن ما تجنيه المليشيا تقابله شكاوى متزايدة من موظفين حكوميين بشأن انقطاع رواتبهم لسنوات أو صرف أنصافها على فترات متباعدة، إضافة إلى صعوبات تواجه المواطنين نتيجة ارتفاع أسعار السلع والمنتجات وغيرها. وهنا يبرز السؤال: إذا كانت الموارد تُحصّل من قطاعات واسعة وبأساليب متعددة، فأين تذهب؟ ولماذا لا تقابلها التزامات منتظمة تجاه الموظفين والخدمات الأساسية؟
في المحصلة، هكذا تمتد كلفة تمويل أغراض الجماعة العسكرية والسياسية من التجار إلى سائقي الشاحنات، والمصنعين والعاملين، والمزارعين، ثم تصل إلى كل أسرة تشتري غذاءها واحتياجاتها الأساسية. وما دامت إيرادات الجماعة وممارساتها على هذه الصورة، فإن معاناة مجتمع منهك أصلا بالفقر وانهيار الخدمات ستستمر، ولذا تظل الحاجة ملحة إلى مساءلة الجماعة عن هذه الأموال: من أين تُجبى، وأين تُنفق؟
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد