اليمن
سياسة

كيف أدت السياسات الأمريكية المتراخية إلى تمكين الحوثيين وتحويلهم لتهديد عالمي؟

المشهد اليمني٢٥ أكتوبر ٢٠٢٦ في ٠٢:٤٨ ص0 مشاهدة
كيف أدت السياسات الأمريكية المتراخية إلى تمكين الحوثيين وتحويلهم لتهديد عالمي؟

تنويه

هذا الخبر بعنوان "كيف صنعت واشنطن مأزقها مع الحوثيين؟" نشر أولاً على موقع المشهد اليمني وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٥ أكتوبر ٢٠٢٦.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

يُلاحظ المراقب لسلسلة المقاطع المرئية التي بثها القائم بأعمال السفارة الأميركية لدى اليمن، نيل هوب، خلال شهر أكتوبر، تحولاً لافتاً في الخطاب الدبلوماسي الأميركي. فقد تجاوز هوب البيانات الرسمية الجافة ليخاطب اليمنيين مباشرة، متناولاً مأساة تهجير مئات الآلاف، وتجريف القطاع الخاص بالجبايات، وتجنيد الأطفال، وصولاً إلى التأكيد على ارتباط جماعة الحوثي بأجندة الحرس الثوري الإيراني. ورغم صحة ما يطرحه الدبلوماسي الأميركي من حقائق، فإن المفارقة تكمن في توقيت طرحها، حيث يبدو وكأن واشنطن تكتشف مشكلة قائمة منذ سنوات. فالحقائق التي يعرضها هوب اليوم هي ذاتها التي طالما وضعتها الرياض والقوى الوطنية اليمنية على طاولة البيت الأبيض منذ عام 2011، لكن الإدارات الأميركية المتعاقبة تجاهلتها، متعاملةً مع جماعة ترفع شعار "الموت لأميركا" كشريك محتمل أو مشكلة محلية.

لفهم كيف تحول عبد الملك الحوثي من زعيم متمردين إلى خطر يربك حركة الملاحة العالمية، لا بد من استعراض "متلازمة الإنقاذ الغربي للحوثيين" عبر أربع محطات رئيسية:

المحطة الأولى (2011–2014): أوهام "موفنبيك" وسقوط صنعاء

في أعقاب الإطاحة بالرئيس الراحل علي عبد الله صالح، انشغلت الدبلوماسية الغربية برعاية مؤتمر الحوار الوطني في فندق "موفنبيك" بصنعاء، وتعاملت مع ممثلي الحوثي كـ"حركة شبابية وأقلية مظلومة"، بينما كانت الجماعة تسيطر على المحافظات الشمالية وتستقطب المقاتلين. ورغم تحذيرات المسؤولين السعوديين للإدارة الأميركية بشأن ترسانة الصواريخ الحوثية، غضّت إدارة باراك أوباما الطرف، متأثرة بأوهام توظيف الحوثيين لموازنة تنظيم "القاعدة"، حتى اجتاح المسلحون العاصمة. وعندما تدخل التحالف بقيادة السعودية في مارس 2015، اقتصر دعم أوباما على مستوى محدود، مما جعلها "تقاسم اللوم على أخطاء الحملة".

المحطتان الثانية والثالثة (2015–2018): "خطوط كيري الحمراء" و"خطيئة ستوكهولم"

بدأت المحطة الثانية بضغوط مفاوضات "جنيف" عام 2015، وبلغت ذروتها عام 2016 حين استعادت القوات الحكومية زمام المبادرة. تدخل وزير الخارجية الأميركي الأسبق جون كيري لرسم "خطوط حمراء" حالت دون اقتحام العاصمة، ودفع بمبادرة في مسقط منحت الانقلابيين وقتاً لالتقاط الأنفاس. وتكررت الخطيئة في المحطة الثالثة عام 2018 على أسوار الحديدة؛ حيث أدت الضغوط الغربية إلى "اتفاق ستوكهولم"، الذي أنقذ الحوثيين في لحظة انكسار عسكري وأبقى شريان حياتهم الاقتصادي والتسليحي مفتوحاً.

المحطة الرابعة (مطلع 2021): كواليس المكتب البيضاوي ومواجهة خيمة "العُلا"

في مطلع عام 2021، كلف جو بايدن بريت ماكغورك بالسفر سراً إلى السعودية لإبلاغها بقرارات الإدارة الجديدة: وقف مبيعات الأسلحة "الهجومية"، ورفع الحوثيين من قائمة الإرهاب. وفي لقائه بولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان في "العُلا"، أقرّ ماكغورك بأن "إضعاف جانب واحد فقط من أطراف صراع مستمر لن ينتج سلاماً أو استقراراً، بل سيؤدي ببساطة إلى تحويل ميزان الأفضلية لصالح الحوثيين". ورغم تأكيد بايدن عدم رغبته في تحويل السعودية إلى "ميدان رماية" للحوثيين، فإن سياساته طبقت هذا المفهوم. وحذّر ولي العهد السعودي من أن هذا النهج سيشجع إيران بطريقة خطرة.

حصاد التراخي الأميركي (2022–2024): اعتراف "كارنيغي" المتأخر وكوميديا "التأثير الروحي"

لم تستمع واشنطن للتحذير السعودي، فجاء الرد الحوثي بتصعيد الهجمات. اضطر بريت ماكغورك في يناير 2022 للاعتراف بأن "المسؤولية تقع الآن على عاتق الحوثيين" لوقف إطلاق النار. وفي يناير 2024، طلب ماكغورك سراً من إيران الضغط على الحوثيين لوقف هجماتهم، لكن طهران تملصت، مدعيةً أن لها "تأثيراً روحياً" فقط على الحوثيين. ورغم الضربات العسكرية الأميركية، لم تنجح في ردع هذا "التأثير الروحي" الذي يتجسد في صواريخ وطائرات مسيّرة وشبكات تسليح.

مشهد 2026: تهافت منظّري واشنطن ووهم "الصفقة البحرية الفوقية"

اليوم، يهدد الحوثيون مضيق باب المندب، مستهدفين القيمة الاستراتيجية لـ"خط أنابيب الشرق–الغرب" السعودي. ورغم ذلك، لا يزال بعض منظّري واشنطن يلومون الرياض على إجراءاتها العسكرية. ويعتقد البعض أن تسويات سطحية أو "صفقة بحرية فوقية" قد تضمن سلامة الملاحة، متجاهلين أن تجربة تعطيل صادرات النفط اليمني أثبتت أن تهديد ناقلة واحدة يكفي لتبخير إيرادات الدولة. إن أي مسار يفصل بين تأمين الممرات البحرية واجتثاث الترسانة الصاروخية للحوثيين هو مجرد إعادة تدوير للفشل.

خلاصة المشهد: طريق الحسم واستعادة الدولة بلا "خطوط حمراء"

يثبت الزخم الميداني الأخير للقوات الحكومية اليمنية، بدعم من القوة الجوية السعودية، أن الحسم ممكن متى ما توفرت الإرادة وغابت "الخطوط الحمراء" الغربية. فمقاطع الفيديو التوعوية التي يبثها نيل هوب لن توقف منصات إطلاق الصواريخ. لقد دفعت دول الخليج طويلاً ضريبة التقصير في الملف اليمني والثقة بالمسارات الدبلوماسية الفاشلة. ولم يعد أمام الرياض والحكومة اليمنية سوى المضيّ في طريق الحسم واستعادة الدولة، دون الالتفات إلى نصائح الذين كلما أوشك الحوثي على السقوط، رموا له طوق نجاة باسم "السلام"!

شارك الخبر: