جبل صبر: قرون من الصمود والمقاومة ضد الإمامة الكهنوتية


هذا الخبر بعنوان "جبل صبر.. قرون من التمرد على الإمامة" نشر أولاً على موقع يمن مونيتور وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٤ أكتوبر ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
يحتل جبل صبر مكانة فريدة في الذاكرة اليمنية كرمز للعصيان ومقبرة للطامعين. على مدى قرون، كان الجبل معقلاً للرفض ومركزاً للثورات والانتفاضات ضد دويلات الإمامة الزيدية، حيث قدم أبناؤه تضحيات جسيمة دفاعاً عن أرضهم وكرامتهم. تسعى هذه المقالة إلى استعادة صفحات من هذا التاريخ المنسي، وإضاءة محطاته البارزة، واستعادة بطولات طواها الإهمال، بهدف تحفيز الباحثين على المزيد من التنقيب والإنصاف لرجاله.
بدأت المقاومة العنيفة ضد الأتراك العثمانيين بقيادة القاسم بن محمد، مؤسس الدولة القاسمية، بعد سبعة عقود من تواجدهم في اليمن. أعلن نفسه إمامًا عام 1006هـ/1598م، وتلقب بالمنصور، وعقد صلحًا مع الأتراك اعترفوا بموجبه بحكمه للمناطق الشمالية. بعد وفاته، تولى ابنه الأكبر محمد (المؤيد) الحكم عام 1029هـ/1620م، واستمر الصلح مع الأتراك لسبع سنوات.
في عهد الوالي حيدر باشا، ضعفت سلطة الأتراك، مما شجع المؤيد محمد على استعادة المناطق الشمالية. في عام 1036هـ/1626م، نقض الصلح رسميًا، واشتعلت المواجهات، وحققت القوات الإمامية انتصارات سريعة، وسقطت صنعاء وتعز، وخضعت المناطق الوسطى وتهامة للدولة القاسمية. تمكن الإمام الثالث، المتوكل إسماعيل بن القاسم، من مد سيطرته على الجنوب اليمني حتى ظفار.
تميز المتوكل إسماعيل بتعصبه المذهبي، وأصدر فتوى عام 1058هـ/1648م كفّر فيها أبناء المناطق الشافعية، وألزمهم بدفع الجزية بدل الزكاة، وجعل أرضهم خراجية، بحجة أنها انتزعت من الكفار الأتراك. كما ألزمهم بإضافة عبارة "حي على خير العمل" في الأذان وترك الترضي عن الشيخين أبي بكر وعمر. تعصب لرأيه رغم اعتراض أقاربه وفقهاء مذهبه.
في عام 1083هـ/1672م، شكا مشايخ جبل صبر للإمام من ظلم عاملهم راجح الآنسي. أعرض الإمام عنهم وانتصر للعامل، مما أدى إلى انتفاضة عارمة في الجبل. وصف المؤرخ عبدالله بن علي الوزير الانتفاضة بقوله: "تحزبوا على الخلاف، وساعدهم على ذلك أهل الحجرية الأجلاف، فكفوا يد العامل، وأشرعوا أسنة العوامل، وحذفوا حي على خير العمل من الأذان، وقتلوا من العسكر ثلثه". وجه الإمام صالح عقبات لإخماد الانتفاضة.
قبل هذه الانتفاضة بقرن وخمسة أعوام، تقوى جانب الإمام الزيدي الناصر مطهر يحيى شرف الدين، وسيطر على صنعاء وتعز. انتقمت قواته من سكان تعز وأجبروهم لأول مرة على الأذان بـ "حي على خير العمل". استعاد الأتراك تعز بعد ثلاثة أشهر بمساعدة سكانها. حشد الإمام مطهر قواته لدعم ابن أخيه محمد بن شمس الدين المرابط في الجبل الأغبر.
تصدى عثمان باشا لهذه الزحوفات بمساندة من أهالي جبل صبر، الذين اعترضوا طريق القائد الإمامي علي بن الشويع ونهبوا ما معه، وساندوا الوالي أثناء حصاره لقلعة القاهرة. تحدث المؤرخ عيسى بن لطف الله عن مساندة أهل جبل صبر بقوله: "وخالف عليه –أي ابن شمس الدين– أهل جبل صبر، ورمي بيوم نحس مستمر".
تزايد رفض أبناء جبل صبر للدولة القاسمية. في عام 1176هـ/1762م، زارت بعثة دنماركية بقيادة المهندس كارستن نيبور اليمن. نقل نيبور في مذكراته تفاصيل عن خراب تعز بسبب صراع الأمراء، ووصف سكانها المنهكين من ظلم الأئمة. وصف جبل صبر بأنه جبل خصيب جدًا، وأن معظم شيوخه لا يرتبطون بالدولة القاسمية ويحكمون مناطقهم بشكل مستقل.
في عام 1210هـ/1796م، ثار الشيخ غالب حسن، شيخ جبل صبر، واستقل بحكم الجبل وبنى حصنًا منيعًا. استنجد أمير تعز بقبائل بكيل، واعتذرت، فتولى شيخ خولان محمد بن سعيد أبو حليقة كبح الانتفاضة. دارت معركة حامية، وفر غالب حسن وأنصاره إلى حصنهم، وتم قتل عدد منهم. فرض الإماميون حصارًا على الثوار، وانتهى بطلب الشيخ غالب حسن الصلح وتسليم الحصن.
خلال النصف الأول من القرن الثامن عشر الميلادي، دخلت الدولة القاسمية مرحلة الضعف الشديد بسبب الخلافات الأسرية والتمردات القبلية. في عام 1252هـ/1836م، زار عالم النبات الفرنسي بول إميل بوتا تعز، ووصفها بالمدينة المدمرة بسبب الحروب. أشاد بوتا بجبل صبر وسكانه وتكاتفهم في مواجهة المعتدين.
بعد تسع سنوات من زيارة بوتا، سيطر حاكم أبي عريش حسين بن علي بن حيدر على تعز، وسلمها للإمام الزيدي المتوكل محمد بن يحيى. خسر الأمير حسين في معركته مع أهالي جبل صبر حوالي 60 رجلاً، وقبض على قائد المقاومة الصبرية الشيخ أحمد بن محمد النجادة.
لا تزال سيرة الشيخ أحمد بن محمد النجادة وبطولاته محفورة في أذهان سكان جبل صبر. لم تكن حكاية جبل صبر وأحراره سوى صفحة ناصعة من ملحمة اليمنيين في مقاومة الإمامة، وإرثًا من العزة توارثته الأجيال. سيظل إنصاف أبطاله المنسيين دينًا في ذمة التاريخ وواجبًا وطنيًا، وفاءً لتضحيات أجيال رفضت الانحناء.
سياسة
تكنولوجيا
سياسة
سياسة