الرهان الإيراني على الانتخابات الأمريكية: تصعيد الحوثيين وتداعياته على أسعار النفط


هذا الخبر بعنوان "الأسابيع الأخيرة رهان طهران" نشر أولاً على موقع يمن مونيتور وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٨ أكتوبر ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
يشير تصعيد الحوثيين ضد المملكة العربية السعودية إلى رهان إيراني على الأيام المتبقية للانتخابات النصفية الأمريكية، حيث لا يمكن تفسير ضرب المطارات وتهديد المنشآت النفطية بالصراع اليمني وحده. هناك سعي لجعل تكلفة هذه الاعتداءات تؤثر على الناخب الأمريكي، مما قد يدفعهم للتصويت ضد الحزب الجمهوري ومنح خصومه أغلبية تقيد الرئيس في النصف الثاني من ولايته. وقد صرح مسؤولون إيرانيون مراراً بأنهم لن يسمحوا بتصدير النفط إذا لم يتمكنوا من ذلك، وهو ما يؤكد هذه الاستراتيجية.
تُجرى الانتخابات في الثالث من نوفمبر، بعد أقل من ثلاثة أسابيع، وهي انتخابات منتصف الولاية الرئاسية التي يجدد فيها الناخبون مجلس النواب بالكامل، وثلث مجلس الشيوخ. ورغم أنها لا تنتخب رئيساً جديداً، إلا أنها تحدد ما إذا كان الرئيس سيعمل مع أغلبية مؤيدة أو معارضة، مما يؤثر على التشريعات وسياسة الإنفاق، دون المساس بصلاحيات السياسة الخارجية.
تُعد الطاقة عنصراً حاسماً في هذا السياق. فالمواطن الأمريكي الذي يواجه ارتفاعاً في أسعار البنزين وتكاليف معيشته، سيحاسب الحكومة الحالية، وهو ما تعول عليه طهران. فتقليل الإمدادات النفطية يرفع الأسعار، وارتفاعها يضعف الحزب الحاكم، مما يمنح إيران وقتاً إضافياً لتحقيق أهدافها. ويبدو هذا الحساب مغرياً لطهران، التي اعتادت تفسير الأمور بما يخدم مشروعها.
تُعتبر المملكة العربية السعودية هدفاً رئيسياً في هذا الحساب، نظراً لكونها أكبر مصدر للنفط في المنطقة، وتمتلك خط أنابيب شرق-غرب الذي ينقل النفط إلى البحر الأحمر متجاوزاً مضيق هرمز، بالإضافة إلى منفذ الإمارات عبر الفجيرة. وحجم الإمدادات السعودية يلعب دوراً محورياً في تعويض أي نقص، واستهداف منشآتها يهدف إلى تعطيل هذا الدور وزيادة تكلفة تهديد الممرات البحرية على المستهلكين.
هنا يتضح التزامن بين الهجوم على السعودية ومحاولة الحوثيين السيطرة على باب المندب. وعندما فشلت محاولة تعطيل الملاحة جنوب البحر الأحمر، تحول الحوثيون، بدعم من خبراء السلاح الإيراني و"حزب الله"، نحو استهداف المملكة ومؤسساتها المدنية. ورغم أن الحوثيين لهم طموحاتهم الخاصة في اليمن، إلا أن بقاء طهران على دعمهم مرهون بصفقات تخدم مصالحها، وقد يكتشف الحوثيون متأخراً أن السلاح الذي تلقوه لن يمنحهم شركاء في القرار، وقد ينتهي بهم الأمر إلى مواجهة الخراب وحدهم.
من جانبه، حاول الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تخفيف تكلفة الأسابيع الأخيرة عبر إعلانه عن ترتيبات تتعلق بالطاقة الروسية وزيادة إمدادات الديزل، في محاولة لتهدئة السوق قبل الانتخابات. ورغم أن نجاح هذه الإجراءات مرهون بالتنفيذ السريع، إلا أن الدافع الانتخابي وراء الاستعجال مفهوم.
ما قد تغفل عنه طهران هو أن خسارة الجمهوريين للانتخابات لا تعني بالضرورة فوزها. فالرئيس الذي قد تقيده أغلبية معارضة داخلياً، قد يحتفظ بقدرة واسعة على التحرك خارجياً، وقد يختلف الديمقراطيون معه في أساليب التعامل مع إيران، لكنهم لن يقبلوا ابتزازها للعالم. ووصفه بـ"البطة العرجاء" يختصر وضعاً أعقد، ويمنح القيادة الإيرانية طمأنينة لا تستند إلى ضمان.
بالإضافة إلى ذلك، فإن المتضررين من تهديد الطاقة ليسوا ناخبي أمريكا وحدهم، بل دول صناعية واقتصادات نامية ومستهلكون بعيدون يدفعون الثمن. ورغم عدم وجود اتفاق عالمي على إسقاط النظام الإيراني، فإن اتساع الضرر يجعل التساهل مع سلوك إيران أكثر تكلفة. وقد يؤدي التصعيد الذي يراد به تفريق الخصوم إلى تقريب مواقفهم وتوسيع العمل المشترك لكبحه.
في رأيي، ارتكب الحوثيون خطأين جسيمين: الاعتداء على المملكة العربية السعودية، وتهديد باب المندب. الأول يستهدف دولة ذات مصالح وشراكات واسعة، والثاني يمس ممراً حيوياً للعالم. وبذلك، وسعوا دائرة المواجهة معهم وجعلوا تجاوز خطرهم أصعب. قد يحققون إصابات عسكرية هنا أو هناك، لكن الصورة الأكبر قد لا تعكس التكلفة الحقيقية لهذه المغامرة على المدى الطويل.
أما بالنسبة لليمنيين، الذين تخلصوا من الإمامة قبل أكثر من نصف قرن، فلهم الحق في دولة لا تمنح جماعة تفويضاً إلهياً للحكم. ورغم أن الانقسامات تضعف المقاومة اليمنية الواسعة لهذا المشروع، فإن مساندة اليمن تستلزم جمع القوى الرافضة للانقلاب حول دولة ومواطنة، بدلاً من تركها تتنازع فيما بينها بينما يفرض الحوثيون سلطتهم بالسلاح. فالخلاف مع هذا المشروع يتعلق بحق الدول في الاستقرار، وحق شعوبها في التنمية، وحق كل يمني في التعليم والصحة والعمل.
نحن في الخليج لا نملك ترف انتظار أخطاء طهران. فأمن المملكة هو أمننا جميعاً، وحماية منشآتها وممراتها مصلحة خليجية مباشرة. المطلوب هو تنسيق دفاعي جاد، وعمل سياسي يجمع الحلفاء، وإعلام يشرح ما يحدث للناس بوضوح. ويجب ألا يتوقف استعدادنا على نتائج الانتخابات الأمريكية، فالانتخابات شأن أمريكي، أما حماية مجتمعاتنا وتجربتنا التنموية فهو واجبنا الذي نؤديه مع أصدقائنا، ونبدأ بأنفسنا.
ختاماً، قد تتغير نتائج الانتخابات الأمريكية، لكن مأزق طهران أعمق من صندوق انتخاب.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة