اليمن والحوثيون: دروس من البلاشفة والساندينيستا والسودان لإدارة حرب طويلة الأمد


هذا الخبر بعنوان "بلاشفة اليمن وإدارة الحرب طويلة الأمد" نشر أولاً على موقع المشهد اليمني وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٧ أكتوبر ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
في سياق الحديث عن الحوثيين والمسألة اليمنية، غالباً ما تُجرى مقارنات مع تنظيمات مثل داعش وحزب الله. إلا أن حصر النقاش في هذه المقارنات المألوفة، وما يحيط بها من غلالة أيديولوجية، قد يحجب رؤية أعمق وفهماً أفضل، مما يعيق تطوير استراتيجيات فعالة للتعامل مع الظاهرة الحوثية. قد توفر تجارب تاريخية مختلفة جغرافياً وزمنياً آفاقاً أوسع للتفسير. فالبلاشفة الروس يقدمون مدخلاً لفهم العلاقة بين التنظيم الثوري ومؤسسات الدولة، والساندينيستا في نيكاراغوا يكشفون حدود التدخل الخارجي في مواجهة حركة مسلحة، بينما تقدم قوات الدعم السريع في السودان نموذجاً لتفكك السيادة بعيداً عن الأيديولوجيا. هذه ليست مقارنات عقائدية، بل محاولات لفهم العلاقة بين التنظيم المسلح ومؤسسات الدولة، وبين الانتصار العسكري والاستقرار السياسي.
في دراسته الكلاسيكية "War Making and State Making as Organized Crime"، يشرح تشارلز تيلي كيف أسهمت الحروب الأوروبية في بناء الدولة الحديثة عبر تعبئة الموارد وفرض الضرائب وإنشاء الجيوش والمؤسسات الإدارية وتركيز السلطة. لكن اليمن يطرح احتمالاً معاكساً: ماذا لو أدت الحرب إلى بناء تنظيم أكثر قوة، دون أن تؤدي إلى بناء دولة أكثر تماسكاً؟ لقد نجح الحوثيون في الاستيلاء على مؤسسات الحكم في صنعاء، لكنهم لم ينجحوا في إنهاء الحرب الأهلية أو توحيد السيادة اليمنية. وقد يكون ذلك هو الفارق الحاسم بين امتلاك أدوات الدولة والقدرة على بناء دولة. من هذه الزاوية، يبدو الحوثيون أقرب إلى بلاشفة روسيا منهم إلى حزب الله اللبناني، وأقرب إلى الساندينيستا في نيكاراغوا منهم إلى داعش. أما أحد أقرب نظائرهم العربية المعاصرة، من حيث التنازع على السيادة، فهو قوات الدعم السريع بقيادة حميدتي، مع اختلاف نشأة التنظيمين وبنيتهما.
عندما استولى البلاشفة على السلطة عام 1917، أعادوا تشكيل مؤسسات الدولة وفق منطق الحزب الثوري، وأصبحت شرعية التنظيم سابقة على شرعية المؤسسات. وثمة تشابه وظيفي مع ما فعله الحوثيون بعد السيطرة على صنعاء عام 2014؛ فقد احتفظوا بأجزاء من الجهاز الإداري، لكنهم أقاموا فوقه شبكة من المشرفين التنظيميين الذين تتجاوز سلطاتهم أحياناً صلاحيات الوزراء والمحافظين. ويصبح المشرف الحوثي، من حيث الوظيفة السياسية، قريباً من المفوض السياسي البلشفي. لكن الفارق أن البلاشفة نجحوا، بعد الحرب الأهلية، في توحيد معظم أراضي الإمبراطورية الروسية السابقة تحت سلطة مركزية، بينما بقي الحوثيون عاجزين عن توحيد اليمن. فالاستيلاء على العاصمة لا يعني بالضرورة الاستيلاء على الدولة.
وتقدم تجربة الساندينيستا في نيكاراغوا زاوية أكثر أهمية للتفكير الاستراتيجي السعودي. فقد أطاحت الجبهة الساندينية بنظام سوموزا عام 1979، لكنها دخلت حرباً طويلة مع قوات الكونترا المدعومة أميركياً في عهد رونالد ريغان. ورغم التفوق الأميركي، لم تسقط الجبهة بهزيمة عسكرية، وإنما أسهمت الحرب والضغوط الاقتصادية والتسويات الإقليمية في الوصول إلى انتخابات عام 1990 التي خسرتها. وهنا تبرز المقارنة بين الدور الأميركي في نيكاراغوا والدور السعودي في اليمن. فقد رأت واشنطن في الساندينيستا تهديداً لنفوذها الإقليمي، بينما ترى الرياض في الحوثيين تهديداً مباشراً لأمنها وحدودها، خصوصاً مع تطور قدراتهم الصاروخية وارتباطهم بإيران. والاختلاف جوهري بين قوة عظمى تتدخل في دولة بعيدة ودولة مجاورة تواجه تهديدات مباشرة. لكن الدرس المشترك أن التفوق العسكري لا يضمن إنهاء الحرب، بل قد يمنح التنظيم المستهدف مبرراً إضافياً للتعبئة والاستمرار.
أما إيران، فهي متغير مهم، لكنها ليست التفسير الحاسم للظاهرة الحوثية. فقد نشأت الجماعة في سياق يمني محلي، واستفادت من الانقسامات القبلية والعسكرية ومن تحالفها السابق مع علي عبد الله صالح وشبكات نظامه. ثم عزز الدعم الإيراني قدراتها العسكرية ووسع نطاق تهديدها الإقليمي. لكن اختزال الحوثيين في مجرد وكلاء لإيران يتجاهل مصالح التنظيم الداخلية وشبكات سلطته وموارده، ويفترض خطأً أن التفاهم مع طهران يكفي لحل المشكلة اليمنية.
ويقدم السودان التحذير الأخطر. فقد تحولت قوات الدعم السريع من قوة نشأت داخل النظام إلى منافس للجيش على السيادة. واليمن اليوم على أعتاب خطر مشابه: ترسخ سلطات مسلحة متعددة تتقاسم الأرض والسكان والموارد، حتى لو تراجعت العمليات العسكرية الكبرى. وهنا لا تعود المشكلة مجرد حرب أهلية تنتظر نهايتها، بل احتمال تحول الانقسام نفسه إلى نظام سياسي طويل الأمد. وهنا نعود إلى سؤال تيلي: ماذا لو أصبحت الحرب وسيلة لا لبناء الدولة، وإنما لإدامة التنظيم؟ وماذا لو تحول استمرارها إلى مصدر للشرعية والتعبئة والموارد، بحيث تصبح التسوية تهديداً لمصالح المستفيدين منها؟
هذا يقود إلى استنتاج استراتيجي ينبغي مواجهته: ربما يبقى الوضع اليمني، بين الحرب والهدنة والتصعيد والتفاوض، معنا سنوات طويلة. وليس الاعتراف بذلك قبولاً بشرعية الانقسام، بل إدراكاً لحدود الحسم العسكري، ولضرورة التفكير في إدارة صراع ممتد بدلاً من افتراض قرب نهايته. وبالنسبة إلى السعودية، فإن الأولوية هي إدارة تهديد طويل الأمد: حماية الحدود والمنشآت الحيوية، ومنع انتقال الحرب إلى الداخل السعودي، ودعم مؤسسات يمنية قادرة على الحياة، مع إبقاء التسوية السياسية ممكنة. فلا يكفي إضعاف الحوثيين إذا كان البديل انهياراً يمنياً أشمل، ولا ينبغي أن تتحول إدارة التهديد إلى قبول دائم بمصادره. لقد نجح بلاشفة روسيا في بناء دولة بعد الحرب، بينما يملك بلاشفة اليمن أدوات الدولة دون القدرة على توحيدها. وتعلمنا نيكاراغوا أن الضغط الخارجي لا يكفي للحسم، ويحذرنا السودان من تحول انقسام السيادة إلى واقع دائم. فليست كل حرب مستمرة حرباً يعجز أطرافها عن إنهائها؛ فقد تكون حرباً يجد بعضهم في استمرارها شرطاً لبقائه. وهنا يصبح منع الحرب من التحول إلى تهديد دائم، لا انتظار نهايتها، جوهر التفكير الاستراتيجي السعودي.
سياسة
سياسة
سياسة
عاجل