إعلان الحرب على الحوثيين: خبراء يحددون مسارات المعركة القادمة من الجوف إلى البحر الأحمر


هذا الخبر بعنوان "إعلان الحرب ضد الحوثيين.. خبراء يرسمون خريطة المعركة المقبلة من الجوف إلى البحر الأحمر" نشر أولاً على موقع يمن مونيتور وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٤ أكتوبر ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
فتح إعلان رئيس مجلس القيادة الرئاسي، رشاد العليمي، ببدء العمليات العسكرية لاستعادة الأراضي اليمنية الخاضعة لسيطرة الحوثيين، الباب أمام مرحلة جديدة من الحرب. هذه المرحلة تبدو، وفق تقديرات خبراء يمنيين، مختلفة في نطاقها وطبيعة ساحاتها عن جولات المواجهة السابقة، حيث تتداخل فيها جبهات الداخل مع أمن الحدود السعودية وباب المندب والبحر الأحمر. ويتوقع أن تلعب القدرات الصاروخية الحوثية والدعم الاستخباري والبحري الخارجي دوراً رئيسياً في تحديد مسار العمليات.
يرى خبراء عسكريون وسياسيون أن الخطاب الرئاسي يمثل انتقالاً من سنوات طويلة من التهدئة والمفاوضات وإدارة خطوط التماس إلى تبني خيار عسكري معلن. لكنهم يشيرون في الوقت نفسه إلى أن حجم التحول سيعتمد على الجبهات التي ستتحرك فعلياً، ومستوى توحيد القوات الحكومية، ونوعية الدعم العسكري والاستخباري الذي ستتلقاه، وقدرتها على مواجهة الصواريخ والطائرات المسيرة الحوثية.
تبرز الجوف وكهبوب وباب المندب والساحل الغربي في مقدمة المناطق التي يتوقع أن تشهد عمليات متصاعدة، بالتوازي مع احتمالات انتقال تداعيات المعركة إلى البحر الأحمر وخطوط الملاحة الدولية.
يضع المحلل العسكري اليمني محمد الكميم جبهتي الجوف وكهبوب في مقدمة مسارح العمليات التي يمكن أن تحدد شكل المرحلة الأولى من المعركة. وقال الكميم إن جبهة الجوف بدأت بالفعل تشهد أعمالاً قتالية واشتباكات قوية وصفها بأنها تقترب من «المعركة التصادمية»، بينما تمثل معركة كهبوب، في تقديره، اختباراً رئيسياً لقدرة القوات المسلحة اليمنية على استعادة ذو باب وباب المندب قبل التقدم عبر السلسلة الجبلية الممتدة في المنطقة.
وتكتسب كهبوب أهميتها من موقعها الجغرافي المتصل بالساحل الغربي وبالممرات المؤدية إلى مضيق باب المندب، ما يجعل السيطرة عليها أو تحييدها عاملاً مؤثراً في أي خطة عسكرية تستهدف تغيير ميزان القوى في جنوب البحر الأحمر. ومن شأن فتح أكثر من محور في الوقت نفسه، إذا تحقق، أن يفرض على الحوثيين توزيع قواتهم وقدراتهم النارية على نطاق جغرافي أوسع، لكنه في المقابل سيضع القوات الحكومية أمام تحدي إدارة جبهات متباعدة وضمان خطوط الإمداد والتنسيق بينها.
يحذر الكميم من التعامل مع الحوثيين باعتبارهم مجرد تشكيل مسلح تقليدي، مشيراً إلى أن الجماعة طورت خلال سنوات الحرب نموذجاً عسكرياً يجمع بين تكتيكات الميليشيات وحرب العصابات من جهة، والقدرة على تشغيل منظومات عسكرية متطورة من جهة أخرى. وقال إن الحوثيين ورثوا ترسانة عسكرية يمنية كبيرة، شملت الصواريخ والدبابات والعربات، ثم عززوا قدراتهم بتدفق أسلحة وصواريخ متطورة، بما أتاح لهم الجمع بين الحركة بمجموعات صغيرة والقدرة على توظيف الأسلحة الثقيلة والصاروخية في ساحات القتال.
وبحسب تقديره، فإن الجماعة طورت كذلك قدرات في مجالات الاتصالات والحرب الإلكترونية والأمن السيبراني، وهي عناصر تجعل المواجهة المقبلة أكثر تعقيداً من مجرد تقدم بري على خطوط الجبهة. ويرى الكميم أن القوات الحكومية باتت بدورها أكثر تدريباً وتجهيزاً مقارنة بمراحل سابقة من الحرب، لكنه لفت إلى استمرار وجود نقص في بعض الأسلحة النوعية، وعلى رأسها الدفاعات الجوية القادرة على مواجهة الصواريخ الباليستية. وتبدو هذه النقطة شديدة الحساسية بالنسبة لأي هجوم بري واسع؛ فالتقدم في مناطق مفتوحة أو إنشاء مراكز قيادة وإمداد جديدة يجعل القوات المتقدمة عرضة للصواريخ والطائرات المسيرة ما لم تتوفر مظلة دفاع جوي قادرة على تقليص هذا التهديد.
الباحث في الأمن الإقليمي إبراهيم جلال يضع إعلان العمليات في سياق أوسع، ويرى أن تداعياته قد تتجاوز الجبهات اليمنية إلى البحر الأحمر وشبكات التجارة والملاحة الإقليمية. ويقول جلال إن من المرجح أن تتوسع خارطة الاستهداف الحوثي، خصوصاً مع التهديدات المرتبطة بالملاحة السعودية، لافتاً إلى أن النتيجة المباشرة لمثل هذه التهديدات تتمثل في ارتفاع مستويات عدم اليقين والمخاطر، وما يتبع ذلك من زيادة أسعار التأمين البحري وكلفة الشحن، وربما تجنب بعض الشركات المرور عبر البحر الأحمر. وبهذا المعنى، فإن معركة الحكومة اليمنية، إذا امتدت باتجاه الساحل الغربي وباب المندب، لن تكون منفصلة عن أمن واحد من أهم الممرات البحرية في العالم.
ويرى جلال أن دخول دول صديقة للحكومة على خط الدعم يمكن أن يؤدي بدوره إلى توسيع طبيعة المواجهة البحرية، خصوصاً إذا بات الدعم الدولي جزءاً من العمليات التي تقودها القوات اليمنية على الأرض.
وتثير المرحلة الجديدة، وفق جلال، سؤالاً رئيسياً يتعلق بمستوى التنسيق بين التحالفات البحرية والقوات الدولية الموجودة أصلاً في البحر الأحمر وخليج عدن. فالمسألة، بحسب تقديره، لا تقتصر على وجود قطع بحرية دولية في المنطقة، وإنما على طبيعة المهام التي يمكن أن تنفذها ومدى ارتباطها بالعمليات البرية اليمنية. ويتساءل جلال عن نوع القطع العسكرية التي يمكن أن تنخرط في دعم القوات المسلحة اليمنية في المسرح الممتد من باب المندب شمالاً باتجاه ميدي، وعن مستوى التنسيق بين القوى البحرية الموجودة في المنطقة إذا توسعت العمليات. هذه الأسئلة، في تقديره، ستحدد جزئياً حجم قدرة الحوثيين على توسيع الاستهداف البحري، كما ستحدد قدرة القوات الحكومية على تأمين ساحل البحر الأحمر وحماية أي عمليات برية تتجه نحو مناطق استراتيجية ساحلية.
يرجح جلال وجود شكل من أشكال الدعم والإسناد البحري للقوات اليمنية، لكنه لا يفترض أن يكون كل هذا الدعم معلناً. ويشير إلى إمكانية قيام دول إقليمية ودولية بأدوار متفاوتة، بما في ذلك تقديم الدعم اللوجستي والاستخباري أو المساعدة في المجال البحري، لافتاً إلى وجود قواعد وإمكانات أوروبية في جيبوتي ومناطق أخرى من القرن الأفريقي يمكن أن تستخدم في تقديم هذا النوع من الدعم. ويمنح جلال الجانب الاستخباري أهمية خاصة، باعتباره أحد العناصر التي يمكن أن ترفع فاعلية العمليات الحكومية، سواء في تحديد مواقع القوات والأسلحة أو في مواجهة ما يصفه بالعمليات الاستخبارية الهجومية التي ينفذها الحوثيون. وفي حرب تعتمد بصورة متزايدة على الصواريخ والطائرات المسيرة والحرب الإلكترونية والاستطلاع، تصبح المعلومة الاستخبارية الدقيقة عاملاً لا يقل أهمية عن حجم القوات المنتشرة على الأرض.
وتكشف قراءة جلال عن تحول محتمل في المقاربة الدولية تجاه ملف البحر الأحمر؛ فبدلاً من الاكتفاء بالدفاع عن السفن أثناء مرورها، يطرح تطور الحرب السؤال حول ما إذا كان تأمين الملاحة يستدعي معالجة مصادر التهديد على الأرض اليمنية. ويرى أن التهديدات البحرية الحوثية وتطور العلاقات والشبكات التي تمتد إلى مناطق في القرن الأفريقي تجعل بيئة الأمن البحري أكثر تعقيداً، بما يفرض التعامل مع مصادر متعددة للتهديد وليس فقط منصات الإطلاق الموجودة على الساحل اليمني. وفي هذا السياق، يعتبر جلال أن إعلان العليمي يمكن أن يمثل عملياً «ساعة صفر» لمسار عسكري جديد، يتزامن مع تحولات إقليمية ودولية وترتيبات جرى بناؤها خلال الأشهر الماضية، وإن ظل الحجم الحقيقي لهذه الترتيبات وطبيعتها غير معلنين.
على المستوى السياسي، يرى المحلل عبد الواسع الفاتكي أن قرار الانتقال إلى العمليات العسكرية جاء بعد فترة طويلة حاولت خلالها الحكومة إبقاء الباب مفتوحاً أمام التسوية. ويقول إن الحكومة تعاملت، من وجهة نظره، بجدية مع المبادرات الإقليمية والدولية، بينما استغل الحوثيون فترات التهدئة في تدريب وحشد أعداد كبيرة من المقاتلين والاستعداد لجولات جديدة من المواجهة. ويربط الفاتكي التحول الأخير بالتصعيد العسكري وباتساع التوترات الإقليمية، معتبراً أن التطورات في باب المندب دفعت الحكومة إلى تغيير أسلوب تعاملها مع الأزمة والانتقال إلى الخيار العسكري. وهذه قراءة ينسبها الفاتكي إلى مسار الأحداث ولا تمثل بحد ذاتها توثيقاً مستقلاً للدوافع العسكرية الحوثية.
ويستند الفاتكي في تفسيره لإعلان الحرب إلى تاريخ طويل من جولات التفاوض التي شاركت فيها الحكومة اليمنية. وأشار إلى مفاوضات سويسرا والكويت واتفاق ستوكهولم باعتبارها محطات حاولت من خلالها الحكومة الوصول إلى حل سياسي، مضيفاً أن القيادة اليمنية باتت تعتبر أن هذه المسارات لم تنتج تسوية تنهي الصراع. وبحسب قراءته، فإن الخطاب الأخير للعليمي يعلن انتهاء مرحلة كانت فيها الأولوية لمحاولات التوصل إلى تسوية عبر التفاوض، وافتتاح مرحلة ترى فيها الحكومة أن استعادة مؤسسات الدولة بالقوة أصبحت خياراً مطروحاً بصورة مباشرة. لكن هذا التحول لا يعني بالضرورة غياب المسار السياسي نهائياً؛ إذ ستظل كيفية تطور ميزان القوى على الأرض عاملاً رئيسياً في أي مفاوضات مستقبلية.
أحد الأسئلة المركزية التي ستواجه أي عملية عسكرية كبيرة يتعلق بمدى قدرة القوى المناهضة للحوثيين على العمل ضمن قيادة وخطة واحدة. فخلال مراحل سابقة من الحرب، شكل تعدد التشكيلات العسكرية وتباين أجنداتها وعلاقاتها الإقليمية أحد أهم التحديات أمام بناء جبهة حكومية متماسكة. الفاتكي يقر بوجود تباينات سابقة داخل معسكر الحكومة، لكنه يرى أن الأشهر الأخيرة شهدت تحسناً في مستوى التجانس بين التشكيلات السياسية والعسكرية. كما يشير إلى تحسن في عملية إعادة هيكلة القوات المسلحة وفي بعض جوانب أداء الحكومة الاقتصادي والإداري. وسيكون اختبار هذا التماسك عملياً في الميدان؛ إذ تختلف إدارة الدفاع على خطوط ثابتة عن إدارة هجوم واسع يتطلب تنسيق القوات الجوية والبرية والبحرية، وربط غرف العمليات وتأمين الإمدادات وإدارة المناطق التي تنتقل السيطرة عليها.
ولا تقتصر المواجهة المقبلة على ساحات القتال. فالطرفان يخوضان بالتوازي صراعاً حول تعريف الحرب نفسها: الحوثيون يقدمون المواجهة في خطابهم باعتبارها مرتبطة بالتدخل الخارجي، بينما تتمسك الحكومة بأن أصل الصراع هو سيطرة الجماعة المسلحة على مؤسسات الدولة. ويرى الفاتكي أن الحوثيين يسعون إلى تقديم الحرب باعتبارها مواجهة مع السعودية، بينما تؤكد الحكومة أن القوات التي تقاتل على الأرض يمنية وأن التدخل الإقليمي جاء بناء على طلب السلطة المعترف بها دولياً. ومن المتوقع أن تتصاعد أهمية هذه الحرب الإعلامية مع اتساع العمليات؛ فكل طرف سيحاول تقديم نفسه للرأي العام المحلي والخارجي باعتباره الطرف الذي يدافع عن اليمن في مواجهة الطرف الآخر.
يحضر العامل السعودي بقوة في تحليلات المرحلة الجديدة، سواء بسبب موقع المملكة بوصفها الحليف الإقليمي الرئيسي للحكومة اليمنية أو بسبب ارتباط أمنها المباشر بتطور قدرات الحوثيين الصاروخية والعسكرية. ويقول الفاتكي إن الاعتداءات التي تستهدف منشآت مدنية سعودية قد تهدف، وفق قراءته، إلى دفع الرياض إلى تدخل مباشر وأوسع يمكن توظيفه في الخطاب الحوثي باعتباره مواجهة مع قوة خارجية. وفي المقابل، يشدد على أن القوات الموجودة في ساحات القتال داخل اليمن هي قوات يمنية، رافضاً توصيف المعركة على أنها حرب تخوضها السعودية بالنيابة على الأرض اليمنية. وتعني هذه الحساسية أن حجم الدعم السعودي وطبيعته سيشكلان عنصراً مهماً في المعركة المقبلة، لكن طبيعة الانخراط — سواء ظل في مستوى الإسناد أو تطور إلى أدوار أوسع — ستؤثر كذلك في شكل الصراع السياسي والإعلامي.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة