عملية "فجر اليمن": فرصة حاسمة لاستعادة الدولة ومواجهة الحوثيين


هذا الخبر بعنوان "فرصة لتصحيح المسار.. "فجر اليمن"... استعادة الدولة والحسم ضد الحوثيين" نشر أولاً على موقع عدن الغد وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٥ أكتوبر ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
دخل اليمن معركة حاسمة على مستقبل الدولة وأمن المنطقة، حيث استأنف الحوثيون في يوليو/تموز عملياتهم الهجومية بعد أربع سنوات من الهدوء النسبي. وفي 4 أكتوبر/تشرين الأول، أعلن رئيس مجلس القيادة الرئاسي، الدكتور رشاد العليمي، عملية "فجر اليمن" بهدف عكس المكاسب الميدانية للحوثيين، بما في ذلك السيطرة على ساحل البحر الأحمر، واستعادة سلطة الدولة في أنحاء البلاد. يبدو أن الحوثيين قد جروا البلاد مجدداً إلى حرب لا مفر منها، وقوضوا حالة الهدوء لخدمة أجندة إيران الرامية إلى توظيف نفوذها على مضيقي هرمز وباب المندب في خضم مواجهتها مع الولايات المتحدة. يبدو أنهم عازمون على خوض المعركة الحاسمة، والسؤال المحوري هو مدى قدرة الحكومة على بناء زخم عسكري والاستفادة منه، وتحويل الإدراك الدولي المتزايد لطبيعة هذا التهديد العابر للحدود، إلى جانب عودة التحالف العربي للانخراط العسكري، إلى حشد كاف للموارد وتكامل عسكري فعال ومكاسب استراتيجية مستدامة.
تفاوت نجاح الحملات السابقة بسبب تشتت القيادة والسيطرة، وضعف التنسيق بين الاستجابات العسكرية الدولية، وتضارب الأولويات الإقليمية والغربية، وعدم اتساق الدعم الخارجي. كما أخفقت تلك الحملات في حماية المناطق التي استعادت القوات الحكومية السيطرة عليها بعد اتفاق استكهولم. تتيح إعادة تشكيل مجلس القيادة الرئاسي هذا العام، وإضعاف المجلس الانتقالي الجنوبي، وتعزيز الدور الموحد للرياض داخل التحالف، فرصة لتصحيح المسار، لكن تحقيق الانسجام السياسي يقتضي توحيد التخطيط العسكري والتنفيذ.
ترسيخ المكاسب
منذ 11 سبتمبر/أيلول، تجاوز الهجوم الحوثي المدعوم من "الحرس الثوري" الإيراني ساحل تهامة إلى نطاق أوسع. ففي تعز، واصل الحوثيون الضغط على المحاور الجنوبية والغربية، وسيطروا على جزء كبير من المرتفعات الريفية الحاكمة، وهددوا الطريق المؤدي إلى عدن. وفي وقت كتابة هذا التقرير، يحاصر الحوثيون مدينة تعز، حيث ارتفعت أسعار الوقود والاحتياجات المعيشية الأساسية ارتفاعاً حاداً، فيما تتركز المعارك على جبهات الأقروض وجبل هان والضباب والوازعية وكهبوب. ويسعى الحوثيون إلى استكمال السيطرة على تعز ومداخلها من جهة لحج، بما يعيد رسم قواعد الاشتباك حول مضيق باب المندب. وقد يدفع خنق خطوط الإمداد مزيداً من التشكيلات الحكومية القريبة إلى تغيير وجهتها، لكنه يعرض المدنيين لظروف حصار متجددة.
شن الحوثيون هجمات من أكثر من ثلاثين جبهة، ودفعوا بتعزيزات بشرية متواصلة تحت غطاء كثيف ومنسق من الطائرات المسيرة والصواريخ والقذائف الصاروخية. وفي لحج، لا تزال المعارك حول كهبوب والمضاربة والعارة تهدد طرق الوصول إلى الجبهة الساحلية. وتبقى مأرب مركز ثقل استراتيجياً، لما تمثله من أهمية في قطاع الطاقة، ولثقلها السكاني والعسكري، فضلاً عن كونها آخر معقل رئيس للحكومة اليمنية. ويسعى الحوثيون، من خلال مناورات الالتفاف والحرب الإلكترونية ونشر مزيد من القناصة وتعزيز التحصينات، إلى السيطرة على الطرق الحيوية وقطع خطوط الإمداد ومحاصرة الوحدات التابعة للقوات المسلحة. ويظهر أثر هذا الضغط بوضوح في المخا وريف تعز، حيث تواجه تلك القوات ضغوطاً ميدانية شديدة تحد من زخم عملياتها وتعرقل الهجوم المضاد.
باب المندب وحدود السرعة
بعد سيطرتهم على المخا وذوباب، سارع الحوثيون إلى اتباع تكتيكاتهم المعتادة، فحصنوا المرتفعات ذات الأهمية الميدانية، وحفروا الخنادق، وزرعوا مساحات واسعة بالألغام لإبطاء تقدم القوات المسلحة اليمنية. لذلك أعطت الحكومة الأولوية لاستعادة ذوباب وباب المندب قبل أن يتمكن الحوثيون من تثبيت مواقعهم وتحصينها، فيما لا تزال المعارك دائرة في محيطه. ووفقاً لمصادر في القوات المسلحة اليمنية، قتل أكثر من سبعة آلاف مقاتل حوثي خلال أسابيع من القتال. أما التقدم نحو الخوخة والحديدة، فيرجح أن يكون أبطأ وأكثر كلفة، لأنه يتطلب قدرات لإزالة الألغام، وآليات هندسية محمية، ودفاعات مضادة للطائرات المسيرة، وخطوط إمداد عسكرية آمنة. وعلى هذه الجبهة، لن تكون سرعة التقدم هي العامل الحاسم بقدر القدرة على مواصلة القتال والحفاظ على الزخم.
ضغط متزايد على القوة البشرية
على الرغم من المكاسب التي حققها الحوثيون، يفرض اتساع رقعة القتال ضغوطاً متزايدة على قدرتهم على مواصلة العمليات وحشد المقاتلين. ويتجلى ذلك في تسارع تجنيد الأطفال، وإرسال قيادات عقائدية رفيعة إلى الجبهات، والزج بعناصر من الشرطة والأجهزة الأمنية في القتال، ونقل المقاتلين بين المواقع المهددة. كما أن سحب عناصر من الشرطة وكوادر تعبئة إضافية من صنعاء إلى الجبهات يوحي بأن الانتشار العسكري بات يتجاوز قدرتهم على تحمله على المدى الطويل، ويثير تساؤلات بشأن إمكان مواصلة التعبئة بهذه الوتيرة، فضلاً عن إضعاف السيطرة على المناطق الخلفية. ولا تعني هذه المؤشرات أن انهيار الحوثيين بات وشيكاً، فما زالوا قادرين على التخطيط والتعبئة وشن هجمات على جبهات متعددة، مستفيدين من قنوات اتصال عسكرية أكثر أمناً. لكن قدرتهم المعروفة على حشد أعداد كبيرة من المقاتلين لا تعني أن طاقتهم القتالية بلا حدود. فحشد المقاتلين أمر، ومواصلة العمليات على عدة جبهات في وقت تتسع فيه رقعة القتال أمر آخر. ومع ذلك، يبدو الحوثيون مستعدين لتحمل سقوط عشرات الآلاف الإضافيين في سعيهم إلى السيطرة على اليمن بأكمله.
السعودية لن تخضع للإكراه
يتصاعد التوتر أيضاً على نحو لافت عبر الحدود الشمالية لليمن. فمنذ يوليو/تموز، لم تعد الاعتداءات الحوثية تقتصر على المحافظات الجنوبية في السعودية، بل امتدت إلى الرياض والطائف ومكة والمنطقة الشرقية وينبع، واستهدفت خصوصاً منشآت حيوية في قطاعي الطاقة والطيران. وفي 9 سبتمبر/أيلول، أفادت تقارير بأن هجوماً انطلق من العراق وأصاب خط أنابيب شرق–غرب، ما ألحق أضراراً بثلاث محطات ضخ. وفي 10 أكتوبر/تشرين الأول، استهدف الحوثيون مطار الملك خالد الدولي في الرياض، وأسفر الهجوم عن مقتل ما لا يقل عن 12 شخصاً وإصابة 309 آخرين. ثم جاءت هجمات لاحقة على مطاري الرياض والدمام لتفاقم الخطر على الطيران المدني، وتظهر أن الحوثيين انتقلوا من التهديد إلى التنفيذ، سعياً إلى تعطيل حركة السفر الإقليمي، واختبار منظومات الدفاع، ورفع كلفة دعم الرياض للحكومة اليمنية. وكانت هجمات ابتزاز سابقة على مطارات ومنشآت سعودية للطاقة والطيران قد أخفقت في تحقيق هذا الهدف. لكن استمرار الحوثيين في استهداف البنية التحتية المدنية الحيوية واتساع نطاق هذه الهجمات يكشفان الفارق بين سلوك الميليشيات وسلوك الدول، ويبرزان طبيعة التهديد العابر للحدود. وقد تجد أي دولة خليجية نفسها أمام تهديد مماثل إذا سعى الحوثيون وإيران إلى إلحاق الضرر في ظل الاضطرابات الإقليمية، أو تحسين موقعهما التفاوضي، أو تعويض انتكاسات استراتيجية على جبهات أخرى. ويرجح أن يعزز هذا التصعيد المتواصل قناعة الرياض بأن الحوثيين لم يلتزموا بالتهدئة والتفاهمات التي سعت إليها السعودية، وأن يدفعها إلى مزيد من التشدد في مواجهته بحسم. فبرنامج الحوثيين للصواريخ والطائرات المسيرة يعتمد إلى حد كبير على أسلحة وتكنولوجيا إيرانية، إلى جانب خبرات عسكرية واستخباراتية وفنية ودعم لوجستي. كما تخدم طموحات الحوثيين المدعومين من إيران في اليمن مصلحة "الحرس الثوري" الإيراني في الاحتفاظ بأدوات ضغط فاعلة على أكثر من جبهة ضد السعودية ودول الخليج وشبه الجزيرة العربية عموماً. وتبرز أهمية مضيقي هرمز وباب المندب لما لهما من دور حيوي في حركة الصادرات السعودية والخليجية، وتجارة الطاقة العالمية، والملاحة البحرية عموماً. كما تبين هجمات الميليشيات العراقية على منشآت حيوية في السعودية أن الضغط لا يقتصر على جبهات القتال داخل اليمن، بل يمكن نقله إلى ساحات أخرى لتحقيق أثر مماثل. ومن هنا تظل عمليات الاعتراض والحماية البحرية ضرورية، لكنها لا تكفي وحدها لمواجهة تهديد يستند إلى عمق جغرافي، وقدرات بعيدة المدى، وبنية عسكرية قائمة، وشبكات تهريب خارجية تمده بالدعم.
نجاح القوات الحكومية
لا يعني ظهور مزيد من مؤشرات الضعف لدى الحوثيين أن الحكومة ستجني منها مكاسب تلقائياً، خصوصاً أن الحوثيين يواصلون توسيع نطاق عملياتهم العسكرية. ويتوقف النجاح على قدرة القوات الحكومية على العمل ضمن خطة موحدة، وتسريع الإمداد، ومنع وصول التعزيزات، وتنسيق العمليات على امتداد الجبهات. كما يتطلب تثبيت أي تقدم توفير قدرات هندسية ولوجستية كافية، وإزالة الألغام، وتحصين المواقع المستعادة وتأمينها، حتى لا يؤدي التقدم الميداني إلى اتساع رقعة السيطرة بما يفوق قدرة القوات على تثبيتها وتأمينها. فالسيطرة على المنطقة ليست نهاية المعركة، والحوثيون لديهم تصور واضح لما يفعلونه بعد دخولها. وفوق ذلك، تحتاج الحكومة اليمنية إلى إثبات قدرتها على مواصلة التقدم عسكرياً، ثم الحفاظ على ما تستعيده وإدارته بفاعلية. فنجاح "فجر اليمن" لن يقاس فقط بما تحققه القوات على الأرض، وإنما بقدرة الحكومة على تغيير ميزان السيطرة لمصلحتها، وإعادة بناء مؤسسات الدولة، وتأمين الحدود، ومنع الميليشيات من تهديد اليمنيين ودول الجوار وحركة الملاحة الدولية.
سياسة
عاجل
سياسة
سياسة