معركة اليمن الجديدة: الحكومة تستعيد زمام المبادرة نحو صنعاء والحوثيون يركزون على البحر الأحمر


هذا الخبر بعنوان "معركة اليمن الجديدة.. الحكومة تتجه نحو صنعاء والحوثيون يراهنون على البحر الأحمر" نشر أولاً على موقع يمن مونيتور وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٨ سبتمبر ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
تتجدد نيران الحرب في اليمن، البلد الذي عُرف سابقاً بأنه يشهد أسوأ كارثة إنسانية في العالم. تشهد البلاد حالياً أخطر موجة قتال منذ عام 2022، عندما أوقفت هدنة برعاية الأمم المتحدة حرباً دامت ثماني سنوات وأسفرت عن مقتل عشرات الآلاف. هذا الأسبوع، شنت الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً هجمات مضادة ضد المتمردين الحوثيين، حيث احتدمت المعارك يوم الإثنين في محافظات تعز والبيضاء والجوف، وتعتبر الجوف بوابة رئيسية للعاصمة صنعاء التي يسيطر عليها الحوثيون. في غضون ذلك، أعلن الحوثيون صد بعض تقدم القوات الحكومية وشن هجمات على السعودية الداعمة للحكومة اليمنية. وقد هيأت التطورات الإقليمية المضطربة بيئة جديدة لاشتعال الحرب اليمنية غير محسومة. اتسعت رقعة التوترات في يوليو/تموز عقب إعلان القوات الحكومية شن هجوم استهدف مطار صنعاء الخاضع لسيطرة الحوثيين، مما حال دون هبوط طائرة قادمة من إيران. بلغت الهجمات ذروتها الأسبوع الماضي عندما شن الحوثيون هجوماً كبيراً للتقدم عبر غرب تعز وجنوب الحديدة نحو مدينة المخا الساحلية ومضيق باب المندب في البحر الأحمر.
في هذه المرحلة الجديدة من الحرب، تسعى الحكومة المعترف بها دولياً لاستعادة العاصمة من قبضة الحوثيين المدعومين من إيران. يتنافس الطرفان على بسط النفوذ في المنطقة المحاذية لباب المندب، وهو ممر مائي ازدادت أهميته إثر الإغلاق الفعلي لمضيق هرمز من قبل إيران، بوصفه شرياناً رئيسياً لإمدادات النفط والغاز العالمية. يواصل الحوثيون توجيه ضربات منتظمة ضد حركة الشحن في البحر الأحمر منذ عام 2023. ويرى محللون أن القوات الموالية للحكومة تتمتع بإمكانات وموارد تفوق أي مرحلة سابقة من الصراع، لكنهم يحذرون من المراهنة على تحقيق نصر سريع. وفي تصريح للجزيرة، قال محمد الباشا، المحلل اليمني-الأمريكي ومؤسس مركز “باشا ريبورت” لتقييم المخاطر، إن “من المرجح أن تكون هذه حرباً ممتدة الأمد بدلاً من كونها حملة خاطفة”.
لماذا تختلف هذه المعركة في اليمن؟
يشير المحللون إلى أن هدف الحكومة اليمنية هو استعادة السيطرة على كامل أرجاء البلاد، بعد سنوات من الحرب الأهلية والانقسام القيادي. وبدافع من الزخم المعنوي إثر استعادة مناطق في جنوب اليمن من قبضة المجلس الانتقالي الجنوبي، الفصيل الانفصالي المدعوم إماراتياً، في وقت سابق من هذا العام، توجه الحكومة أنظارها نحو الحوثيين. وقال محجوب الزويري، أستاذ شؤون الشرق الأوسط بجامعة قطر، للجزيرة: “تمكنت الحكومة من فرض سيطرتها بشكل أوسع، وتراجع حضور الميليشيات على الأرض… ولم يبقَ من لاعب [آخر] الآن سوى الحوثيين في صنعاء”. ومنذ تقويض نفوذ المجلس الانتقالي الجنوبي، ركزت الحكومة اليمنية على إظهار القوى المناهضة للحوثيين كجبهة متماسكة تخضع لقيادة عسكرية موحدة. ورغم ذلك، يؤكد الباشا أن الحوثيين ما زالوا يمثلون “قوة عسكرية ضاربة”، مشيراً إلى أنهم “سيقاتلون باستماتة ولن يستسلموا بسهولة”. ولفت المحلل إلى أنه في حال تم دحر الجماعة المدعومة إيرانياً، فإنها قد تلجأ إلى التحصن في معاقلها الجبلية والقبلية الشمالية حول صعدة وحجة وصنعاء والمحافظات المحيطة بها. وتابع الباشا قائلاً: “سيفرز ذلك خط مواجهة أكثر تحديداً من الناحية الجغرافية، بين معقل حصين في الشمال يسيطر عليه الحوثيون ومناطق تبسط الحكومة المعترف بها دولياً وحلفاؤها نفوذهم عليها”.
الأزمات الإقليمية عامل تحفيز
على خلفية الحرب الأمريكية الإسرائيلية الجارية على إيران، وتزامنها مع ضربات تشنها طهران وحلفاؤها في منطقة الخليج، سنحت الفرصة أمام الحكومة اليمنية المدعومة من السعودية لمجابهة الحوثيين. وقال الزويري: “هناك قناعة إقليمية سائدة بضرورة وضع حد للجهات الفاعلة من غير الدول، والمقصود هنا الميليشيات”، موضحاً أن ثمة إحجامًا ونفوراً متنامياً من جانب دول المنطقة تجاه هذه الجماعات. واستطرد قائلاً: “ينعكس هذا المعطى أيضاً على تطورات المشهد في اليمن؛ إذ باتت الحكومة… [تملك] ضوءاً أخضر للإنهاء الفعلي للوضع الراهن هناك”. من جانبه، عدّ المحلل السياسي السعودي خالد باطرفي الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران حافزاً رئيسياً في هذا السياق. وأوضح في حديثه للجزيرة: “إن المواجهة القائمة بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران بدلت القيمة الاستراتيجية لليمن؛ فلم يعد الحوثيون يتحركون ضمن حدود الحرب الأهلية اليمنية فحسب، بل أثبتوا قدرتهم واستعدادهم لربط الميدان اليمني بأمن البحر الأحمر وحركة الملاحة الدولية ومنشآت الطاقة في المنطقة”. وأضاف أن الهجمات الحوثية الأخيرة التي استهدفت العمق السعودي وأسفرت عن إصابة العشرات تكتسي دلالة بالغة. وأردف باطرفي: “تلك الضربات من شأنها أن تعيد الصراع من مجرد مواجهة داخلية يمنية إلى أزمة أمنية مباشرة بين الرياض والحوثيين”. غير أن الباشا يرى أنه حتى لو جرى التوصل إلى تسوية للمواجهة الأوسع نطاقاً التي تشارك فيها إيران أو تم خفض وتيرتها، “فإن هذا لا يفضي بالضرورة إلى إسدال الستار على الصراع بين السعودية والحوثيين”. واستدرك قائلاً: “يمتلك اليمن حربه الخاصة التي لم تُحسم بعد، وله تفاعلاته الجغرافية الميدانية ومطالبه السياسية الذاتية”.
كيف ستنعكس هذه المرحلة على القوى الإقليمية الكبرى؟
في وقت يبدو فيه أن السعودية وإيران ترتبطان بتفاهم يستهدف الحيلولة دون الانزلاق إلى تصعيد مباشر، ذكر الباشا أن الفصائل المسلحة الموالية لطهران –بما فيها جماعة الحوثي ذاتها– قد تنسق جهودها لممارسة ضغوط عسكرية وسياسية على الرياض. وأوضح أن الحوثيين بوسعهم تكبيد السعودية أثماناً “باهظة” من خلال ضربات منسقة تستخدم الصواريخ بعيدة المدى والطائرات المسيرة، حتى وهم يتعرضون لضغوط ميدانية متصاعدة. وفي حين ظل منع العودة إلى حرب مفتوحة في اليمن يمثل أولوية بالنسبة للمملكة العربية السعودية، فإن “الهجمات التي تستهدف المنشآت المدنية ومرافق الطاقة في المملكة تعيد خلط الحسابات بصورة حتمية”، بحسب باطرفي. وأكد قائلاً: “لا يمكن لأي دولة أن تقف مكتوفة الأيدي إلى ما لا نهاية أمام هجمات تطال أراضيها مباشرة”. وفي المقابل، وبحسب الباشا، فإن إيران، المستنزفة في حربها مع الولايات المتحدة، تجد نفسها مقيدة إزاء حجم الدعم الإضافي الذي يمكنها تقديمه للحوثيين، لكنها ستواصل على الأرجح تزويدهم بمكونات الصواريخ والطائرات المسيرة، إلى جانب الوقود المكرر والسلع الأخرى.
معركة باب المندب
شكل تأمين مضيق باب المندب ركيزة أساسية أخرى ضمن أهداف الحكومة المعترف بها دولياً. وفي هذا الشأن، يوضح الزويري أن إيران توظف المضيق ورقة ضغط عبر الحوثيين، ولذا فإن أحد مقاصد الحرب يكمن في ضمان خضوع هذا المعبر المائي لسلطة الحكومة اليمنية المركزية. ويفسر ذلك جزئياً الدعم الذي تقدمه الرياض لهذا الهجوم؛ حيث كان الحوثيون قد فرضوا حصاراً على السفن السعودية العابرة للمضيق، الذي يمثل ممراً حيوياً للملاحة البحرية الرابطة بين البحر الأحمر وخليج عدن. كما يكتسي باب المندب أهمية مضاعفة بالنسبة لصادرات النفط السعودية منذ أن بدأت إيران فرض قيود على حركة المرور في مضيق هرمز عقب اندلاع الحرب الأمريكية الإسرائيلية عليها. لكن الحوثيين يسعون هم أيضاً لتأمين موطئ قدم باتجاه هذا الممر الملاحي المحوري في البحر الأحمر. ويرى الباشا أن الجماعة أثبتت امتلاكها لقوة نارية تكفي لتهديد حركة الملاحة التجارية والعسكرية في البحر الأحمر وخليج عدن ومناطق من بحر العرب. وأضاف أن بإمكانهم في نهاية المطاف محاولة فرض رسوم عبور في الممر المائي، على غرار المقاربة التي تتبعها طهران في مضيق هرمز. وقال باطرفي: “إذا تعطلت حركة الملاحة في كل من هرمز وباب المندب بصورة خطيرة وفي آن واحد، فإن العواقب ستتجاوز نطاق اليمن والسعودية بمراحل، لتتحول إلى أزمة دولية كبرى تهدد أمن الطاقة والتجارة العالمية”.
“صراع طويل ومكلف”؟
اتفق المحللون على أن مسار النزاع ينبئ بالانزلاق نحو حرب أوسع نطاقاً خلال الأيام القادمة. وفي حديثه للجزيرة، أوضح أحمد ناجي، كبير محللي الشأن اليمني في مجموعة الأزمات الدولية: “يبدو أن الحكومة في موقف أقوى من أي وقت مضى، وتنظر إلى هذه الجولة القتالية باعتبارها فرصة مواتية لتعزيز مواقعها واستعادة مزيد من المناطق من قبضة الحوثيين”. ولفت ناجي إلى أنها المرة الأولى التي تخوض فيها الحكومة مواجهات على أكثر من جبهة وتفتح مسارح عمليات متزامنة ضد الحوثيين، منتقلة بذلك من التموضع الدفاعي إلى الهجومي. وأضاف أن القوات الحكومية أضحت تتمتع بتنسيق أعلى وبات بمقدورها الوصول إلى أسلحة أكثر تطوراً مقارنة بالجولات السابقة. ومع ذلك، يرجح المحللون أن يطول أمد هذا الصراع. وقال الباشا، في إشارة إلى الهجوم الخاطف الذي أسقط بشار الأسد في ديسمبر/كانون الأول 2024: “توقع البعض في بادئ الأمر تكرار سيناريو شبيه بما جرى في سوريا، عبر انهيار سريع لدفاعات الحوثيين على غرار سقوط نظام الأسد”. وحذر في ختام حديثه قائلاً: “لكن الواقع الذي قد نشهده ربما يكون أقرب إلى السيناريو السوداني، حيث تصطدم كتلتان جغرافيتان واضحتان نسبياً في صراع مدمر وطويل الأمد وذي كلفة باهظة”.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة