اليمن
سياسة

من التعليم إلى التعبئة الأيديولوجية: كيف تُصاغ عقول الأطفال في مناطق الحوثيين؟

يمن مونيتور٢٦ أكتوبر ٢٠٢٦ في ٠١:٠٠ م0 مشاهدة
من التعليم إلى التعبئة الأيديولوجية: كيف تُصاغ عقول الأطفال في مناطق الحوثيين؟

تنويه

هذا الخبر بعنوان "من التعليم إلى التعبئة… كيف تحولت المناهج إلى كبسولات تعبوية في مناطق الحوثيين؟" نشر أولاً على موقع يمن مونيتور وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٦ سبتمبر ٢٠٢٦.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

في تحول مقلق، أصبحت المناهج الدراسية في المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين أدوات للتعبئة الفكرية والطائفية بدلاً من كونها وسيلة لنقل المعرفة. تكشف دراسة تحليلية أجراها مركز اليمن للسياسات، والتي فحصت 57 كتاباً مدرسياً، عن حجم الأيديولوجية التي تسعى المليشيا لغرسها في عقول الأطفال. أحد الأمثلة الصادمة هو سؤال في كتاب مدرسي يسأل الطالب: "هل تحب آل البيت؟"، وهو ما يعكس خطورة المنهج الذي يُعاد صياغته لخدمة أجندة الجماعة.

في حين يفترض أن تكون المدرسة ملاذاً آمناً للطفل، فإن الواقع في مناطق سيطرة الحوثيين مغاير تماماً. فقد تحولت المدارس والمرافق التعليمية إلى منصات للتعبئة الفكرية والطائفية، حيث يتم إعادة صياغة التاريخ، وانتقاء الشخصيات، وتكريس مفاهيم تخدم الجماعة، مع استغلال الدين لتحقيق أهدافها. هذا الوضع يفاقم الأزمة التعليمية العميقة في اليمن، حيث يواجه نحو 11 مليون طفل مخاطر انقطاع التعليم، وبدلاً من بناء المعرفة، يتعرض وعي الأطفال للتقويض.

منذ سيطرة الحوثيين على صنعاء في عام 2016، بدأت محاولات منهجية لتعديل المناهج، خاصة بعد تعيين يحيى بدر الدين الحوثي وزيراً للتربية والتعليم. هذه الخطوة تذكر بما فعلته إيران بعد ثورتها لتشكيل الجيل القادم. وعلى الرغم من المقاومة الأولية من قبل كوادر تربوية، نجحت المليشيا في السنوات اللاحقة في تغيير وعزل عدد من مديري المدارس واستبدالهم بموالين لضمان تنفيذ استراتيجياتها.

تقرير صادر عن فريق خبراء تابع للأمم المتحدة في عام 2020 وثق حالات لمعلمين تعرضوا للاعتقال أو اضطروا للفرار لرفضهم تدريس المناهج الحوثية والمشاركة في حملات تجنيد الأطفال. كما أفاد أحد المعلمين بأنه طُلب منه حشد الشباب عبر زيارات منزلية وإلقاء محاضرات لتعاليم الحوثيين.

بحلول العام الدراسي 2021-2022، اتسعت هذه التعديلات لتشمل مواد التربية الإسلامية والقرآن الكريم والعلوم الاجتماعية للمراحل الابتدائية. تضمنت المناهج الجديدة دروساً إضافية وحذفت أو عدلت موضوعات تتعلق بالحقوق المدنية ودور المرأة وشخصيات تاريخية يمنية مؤثرة. وأظهرت دراسة مركز اليمن للسياسات (2023) اتساع نطاق التحولات الأيديولوجية والسياسية والعسكرية، مع حضور متزايد لموضوعات مثل الجهاد والولاية والدفاع عن الوطن.

كتاب اللغة العربية للصف السادس، على سبيل المثال، تضمن وحدة عن "أعظم شهيد"، وهي قصة جندي طفل استخدم قنبلة انتحارية. كما احتوت نسخة الصف الخامس على صورة لأب مع ابنيه يطلقون النار، مما يصور القتال كقدوة وواجب متوارث. وقد رصدت الدراسة زيادة في مفردات الحرب والسلاح والشهادة والقتال، مقابل تراجع مفاهيم الأمن والسلام والتفاوض والتعددية.

فرضت الجماعة أيضاً الاحتفال بـ16 مناسبة دينية وسياسية، وأخضعت مديري المدارس لدورات تتضمن خطابات مؤسس الحركة حسين الحوثي. وصفت منظمة كارنيجي للسلام الدولي أقوال مؤسس الحركة بأنها رأس الأدبيات الأساسية التي تُدرّس وتُعاد صياغتها في ملخصات ومقررات.

تاريخياً، تم استهداف أحداثه وشخصياته لخدمة مشروع سلالي. أزيلت دروس عن ثورة سبتمبر، وقُدّم انقلاب 2014 في إطار ثوري. واستبدلت شخصيات جمهورية بشخصيات أئمة زيديين، مع تكرار ذكر علي بن أبي طالب وفاطمة، وحذف أو تهميش شخصيات إسلامية أخرى مثل عائشة وعمر بن الخطاب.

هذا التلقين الأيديولوجي يخلق ولاءً سياسياً، وينمي لدى الطفل نزوع العنف وشيطنة الآخر. وثّق مركز صنعاء للدراسات أمثلة في مناهج التربية الوطنية تصف التحالف الذي تقوده السعودية بأنه جزء من "تحالف أمريكي صهيوني"، وتقدم الحوثيين كحماة لليمن. يصبح المعلم والمشرف الثقافي أدوات لتجنيد ناعم، يعيد تعريف مفاهيم البطولة والخيانة.

خلص تقرير لمفوضية حقوق الإنسان في سبتمبر 2020 إلى أن الحوثيين استخدموا التعليم بصورة استراتيجية في جهود تجنيد الأطفال، موثقين أنشطة تعبئة وخطباً وعروضاً عسكرية في 34 مدرسة.

مخاطر هذه السياسات ستظهر في المستقبل، حيث ستنتج رأس مال بشري مثقل بالاستقطاب، وصعب الاندماج في دولة مدنية. الطفل الذي يتعرض لسنوات من التعبئة ستنشأ لديه خريطة ذهنية ضيقة، وخصم واسع، وشك في الديمقراطية، وقابلية للعنف كقيمة أخلاقية، كل ذلك تحت غطاء الدين والدفاع عن الوطن.

لا يعني هذا أن جميع الأطفال ضحايا، فالأسرة والمجتمع عاملان فارقان. على الرغم من عدم قدرة الأسرة على تغيير الكتب، إلا أنها تستطيع منعها من أن تكون المصدر الوحيد للحقيقة. يبدأ الأمر بالحوار مع الطفل، ومتابعة ما يتعلمه، وتصويب المحتوى المؤدلج، وتدريبه على التفكير النقدي، وغرس العقائد الدينية الصحيحة، وتشجيعه على القراءة والمقارنة.

يبقى الدور الأسري إسعافاً فردياً لمشكلة تتطلب تحركاً على مستوى الدولة والمنظومة الدولية. لم تعد القضية شأناً داخلياً، بل انتهاكاً واضحاً يتطلب إجراءات وموقفاً دولياً جاداً، وتعزيز الجهود الحكومية لاستعادة قطاع التعليم، وإعادة بناء مناهج وطنية جامعة. إن أطفال طهران الذين رفعوا صور الخميني قبل عقود هم اليوم قيادات في الحرس الثوري، ومن يُلقّن اليوم "أعظم شهيد" سيكون غداً فرداً من جيش يصعب ردعه.

شارك الخبر: