اليمن
سياسة

باب المندب والمخا في عين العاصفة: معركة استنزاف جديدة ضد الحوثيين

عدن الغد٢٧ أكتوبر ٢٠٢٦ في ٠٨:٠٢ ص0 مشاهدة
باب المندب والمخا في عين العاصفة: معركة استنزاف جديدة ضد الحوثيين

تنويه

هذا الخبر بعنوان "المخا وباب المندب في مرمى التصعيد .. معركة استنزاف جديدة مع الحو ثيين" نشر أولاً على موقع عدن الغد وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٥ سبتمبر ٢٠٢٦.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

تتجه الأنظار نحو جبهات تعز والحديدة، حيث لا تبدو المواجهات الحالية مجرد محاولة لاستعادة الأراضي من جماعة الحوثيين، بل تكشف عن استراتيجية عسكرية أكثر تعقيداً تهدف إلى استنزاف الحوثيين بدلاً من خوض حرب حاسمة لا تملك الحكومة شروطها الكاملة. ومع ذلك، تبرز مخاوف من أن تنقلب هذه الاستراتيجية، حيث تشير مصادر محلية إلى محاولات حوثية لقطع طرق الإمداد إلى المخا تمهيداً لهجوم على المدينة، مما قد يسهل سيطرتهم على السفن المارة عبر باب المندب.

وتعكس تصريحات رئيس مجلس القيادة الرئاسي، رشاد العليمي، هذه القراءة الاستنزافية. فقد حذر العليمي من أن أي تحرك حوثي نحو باب المندب سيتحول إلى "استنزاف قاس" للجماعة، مؤكداً متابعة القوات الحكومية للتطورات الميدانية ورفضها السماح بتحقيق ما وصفه بالهدف الإيراني في السيطرة على المضيق. وتدل عبارة "استنزاف قاس" على استراتيجية عسكرية طويلة الأمد، تهدف إلى جعل أي تقدم حوثي مكلفاً ومستمراً.

تكتسب السيطرة على الساحل الغربي أهمية بالغة لقدرتها على تهديد خطوط الملاحة الدولية، مما يجعل القوات الحكومية غير قادرة على الانسحاب وترك الحوثيين يقتربون من المضيق. وتتجسد هذه الاستراتيجية في طبيعة الجبهات الحالية، حيث نجحت القوات الحكومية في صد الهجمات ومحاولات التسلل، بينما وصلت تعزيزات إلى تعز والساحل الغربي. وشهد التصعيد استخدام الحوثيين للصواريخ الباليستية والمسيّرات، فيما دفعت القوات الحكومية بتعزيزات وشنّت هجمات مضادة، بما في ذلك استخدام الطيران الحربي اليمني لأول مرة في استهداف مواقع حوثية في جبهة حيس.

تكمن الاستراتيجية المختلفة خلف هذا التصعيد في تجنب الحسم السريع، والتركيز على جعل استمرار الحرب مكلفاً للحوثيين. وتكتسب جبهات تعز والساحل الغربي أهميتها من كونها تؤدي إلى المخا وباب المندب. وتشير تقارير إلى سعي الحوثيين لقطع الطريق بين تعز والمخا وعزل المدينة عن ساحل البحر الأحمر، مع تركيز التحركات العسكرية على مناطق قريبة من الممر البحري الاستراتيجي.

تتطلب السيطرة على الأرض في هذه المنطقة، التي تتميز بتضاريسها المفتوحة والمعقدة جغرافياً، إرسال قوات برية والاحتفاظ بها وتأمين خطوط الإمداد، مما يغير طبيعة الحرب بالنسبة للحوثيين من استخدام القوة النارية بعيدة المدى إلى الاشتباك البري المستمر. وهنا تكمن مصلحة الحكومة في توسيع الجبهة البرية لزيادة كلفة الزخم الحوثي وإبطاء تقدمهم.

تدرك القوات الحكومية أن الدخول في معركة مفتوحة واسعة قد لا يكون الخيار الأكثر أماناً، حيث يمنح الحوثيين فرصة لاستخدام منظوماتهم الصاروخية والمسيّرة بكثافة. لذا، فإن المعركة المحدودة والمتدرجة تسمح للقوات الحكومية باختيار مواقع الاشتباك وتوزيع الضغط وشن هجمات مضادة، بدلاً من الالتزام بعملية واحدة ضخمة قد تكون مكلفة.

يصبح الاستنزاف بديلاً عن الحسم، حيث لا يُشترط سقوط صنعاء أو انهيار جبهة الحوثيين خلال أسابيع، بل تراكم الخسائر وزيادة كلفة الهجمات وإجبار الحوثيين على توزيع قواتهم. وتُعد المعادلة الأكثر إزعاجاً للحوثيين هي الوقت، حيث استفادوا من حرب طويلة لتطوير قدراتهم وربط عملياتهم بالسياق الإقليمي. لكن استمرار القتال البري يفرض عليهم معادلة مختلفة تتطلب مقاتلين وإمدادات وقيادة وسيطرة، ويجعل التفوق في الصواريخ والمسيّرات أقل قدرة على تحقيق حسم سريع.

لا يمكن فصل هذه المعركة عن البعد الإقليمي، حيث تمنح التحركات الحوثية في البحر الأحمر وباب المندب الجماعة قيمة استراتيجية تتجاوز الجغرافيا اليمنية. وقد ربطت الحكومة اليمنية مراراً بين تحركات الحوثيين والمشروع الإيراني. وتكمن مصلحة الحكومة في إجبار الحوثيين على العودة إلى الأرض، حيث يصبح الاحتكاك المباشر والخسائر البشرية والتقدم البطيء جزءاً من المعادلة.

تتمثل المعادلة الأكثر واقعية في الدفاع النشط: منع الحوثيين من التقدم، ضرب مواقعهم، استنزاف قواتهم، فتح جبهات ضغط متفرقة، والحفاظ على خطوط الساحل والمخا وباب المندب. وهي معادلة لا تحقق نصراً سريعاً، لكنها قد تمنع الحوثيين من تحقيق النصر الذي يبحثون عنه. يبدو أن الطرفين يخوضان حرباً مختلفة عن فكرة المعركة الفاصلة، حيث يحاول الحوثيون تحقيق مكسب جغرافي واستراتيجي، بينما تحاول القوات الحكومية تحويل هذا الطموح إلى عبء عسكري. السؤال الأساسي ليس من يحتل أرضاً أكثر، بل من يتحمل كلفة الحرب لفترة أطول. إذا نجحت القوات الحكومية في منع الاختراق الاستراتيجي نحو باب المندب وإجبار الحوثيين على خوض معارك برية متواصلة، فقد حققت هدفاً مهماً حتى من دون استعادة صنعاء. أما الحوثيون، فإن توسيع الحرب يزيد الجبهات التي يتعين عليهم الدفاع عنها، محولاً الحرب من سباق نحو الحسم إلى اختبار للقدرة على الاستنزاف. وفي بلد أنهكته سنوات الحرب، تستطيع الحكومة أن تجعل الحسم الحوثي أكثر كلفة وأبعد منالاً.

شارك الخبر: