اليمن
سياسة

ميثاق الدفاع الجديد بقيادة السعودية: ما وراء الدلالات الاستراتيجية؟

يمن مونيتور٨ نوفمبر ٢٠٢٦ في ٠٩:٣٥ م0 مشاهدة
ميثاق الدفاع الجديد بقيادة السعودية: ما وراء الدلالات الاستراتيجية؟

تنويه

هذا الخبر بعنوان "ما دلالات الميثاق الدفاعي الجديد بقيادة السعودية؟.. إيكونوميست تجيب" نشر أولاً على موقع يمن مونيتور وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٥ أغسطس ٢٠٢٦.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

في السابع من أغسطس/آب الجاري، أحدثت تركيا وباكستان والمملكة العربية السعودية صدىً واسعاً بتوقيعها ميثاقاً دفاعياً مشتركاً، لا سيما بعدما أفاد مسؤولون بأنه يتضمن بنداً للدفاع المشترك يماثل المادة الخامسة من معاهدة الناتو. وصرحت وزارة الخارجية الباكستانية بأن: “أي هجوم مسلح ضد أي دولة من الدول الثلاث سيُعد هجوماً عليها جميعاً”. وتؤكد القوى الثلاث أن الباب مفتوح أمام قوى إقليمية أخرى للانضمام إلى الميثاق، قاطعةً الطريق على التكهنات التي تتحدث عن تشكيل حلف عسكري سني.

لكن الرمزية الدينية كانت حاضرة بكثافة في مراسم التوقيع التي جمعت كلاً من الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، ورئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف، ومضيفهما ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان. فبدلاً من العاصمة الرياض، احتضنت مكة المكرمة مراسم التوقيع، وعقب انتهائها توجه القادة الثلاثة لأداء الصلاة في المسجد الحرام.

ويتمثل أحد أهداف هذا الاتفاق في تشكيل ثقل موازن للنفوذ الإسرائيلي؛ إذ دقت العمليات العسكرية الإسرائيلية المتسارعة في كل من غزة ولبنان وسوريا وإيران، والهجوم الذي أسفر عن مقتل مفاوضي حركة حماس في قطر، إلى جانب الشعور بأن أطماع إسرائيل في فرض هيمنتها الإقليمية لم تُشبع بعد، نواقيس الخطر في أرجاء الشرق الأوسط. وتبرز هذه المخاوف بأشد درجاتها في تركيا، التي بات بعض الساسة والمسؤولين الإسرائيليين يصنفونها كتهديد يوازي الخطر الإيراني.

كما يشكل التصدي للتهديد الإيراني بحد ذاته هدفاً رئيسياً آخر. فرغم ما أصاب النظام الإيراني من إنهاك وشلل كبيرين، فقد أثبت قدرته على نشر الفوضى في أنحاء المنطقة عند تعرضه للهجوم، لا سيما في منطقة الخليج، فضلاً عما أظهره من قدرة على توظيف أوراق الضغط عبر تعطيل حركة الملاحة في مضيق هرمز. وفي هذا الصدد، يقول مراد يشيل تاش، رئيس مركز الدراسات السياسية والاقتصادية والاجتماعية (سيتا / SETA) المقرب من حكومة أردوغان: “إن استخدام مضيق هرمز ضد دول المنطقة أصبح أحد المرتكزات الأساسية في استراتيجية إيران الجديدة”. ويضيف يشيل تاش أن الدول الثلاث الموقعة “لن تستهدف إيران، لكنها تسعى لإبراز قوة الردع الجماعي”. من جهتها، أعلنت طهران أنها لا ترى أي مبرر للتوجس من هذا الميثاق.

ويعكس الاتفاق كذلك تصاعد القلق إزاء أولويات الولايات المتحدة ومدى موثوقية ضماناتها الأمنية؛ إذ تخشى تركيا، شأنها شأن بقية أعضاء الناتو، من مخاطر انسحاب أمريكي أوسع نطاقاً من أوروبا والشرق الأوسط على حد سواء. كما تراجعت الثقة السعودية بالولايات المتحدة عقب نجاح إيران في إحداث ثغرات واسعة في مظلة الدفاع الجوي التي أسهمت واشنطن في إرسائها فوق مياه الخليج. ولم تصدر الحكومة الإسرائيلية رداً علنياً على أنباء الميثاق، بيد أن الإعلان عنه قوبل باستياء بالغ في تل أبيب. فإسرائيل تنظر بالفعل إلى تركيا وباكستان كقوتين معاديتين، وتبدي حنقها إزاء العلاقات الوثيقة التي نسجها قادة البلدين مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب. كما يُظهر الميثاق مدى تراجع فرص تطبيع العلاقات بين إسرائيل والسعودية في المدى المنظور؛ إذ أوضح دبلوماسي إسرائيلي قائلاً: “سيتعين على هذا المسار أن ينتظر حتى تشكيل حكومة جديدة في إسرائيل، وحتى لو حدث ذلك، فسيستغرق الأمر وقتاً طويلاً”.

ومع ذلك، تبدو فرص إقدام أي من الأطراف الموقعة على التدخل عسكرياً للدفاع الفعلي عن الطرف الآخر ضئيلة؛ فلن تتدخل السعودية أو تركيا للدفاع عن باكستان حال نشوب نزاع مسلح مع الهند، كما لن تقدم باكستان أو تركيا على الرد عسكرياً في حال تعرضت السعودية لقصف صاروخي إيراني. ويرى يشيل تاش أن الميثاق في مرحلته الحالية لا يرقى لكونه حلفاً عسكرياً صارماً، بل يعد منصة للتعاون الأمني والدفاعي. غير أن وفرة الموارد المالية السعودية واحتياجاتها التسليحية، مدعومةً بقطاع الدفاع التركي المتطور والقاعدة الصناعية العسكرية الباكستانية، تشكل مجتمعة تحالفاً واعداً. وتتحفز شركات التكنولوجيا العسكرية التركية على وجه الخصوص لاقتناص هذه الفرص؛ إذ كانت شركة “بايكار” التركية للطائرات المسيرة قد وقعت صفقة بارزة مع السعودية عام 2023، في حين اعتمدت باكستان على مسيرات تركية الصنع خلال مواجهاتها الأخيرة مع الهند العام الماضي. لكن طموح أنقرة لا يتوقف عند هذا الحد؛ إذ يُنتظر أن تصل تكلفة مشاريعها الدفاعية الطموحة—بما فيها مقاتلة الجيل الخامس محلية الصنع “قاآن” (KAAN)، ومنظومة الدفاع الجوي “القبة الفولاذية”، والصواريخ الباليستية بعيدة المدى—إلى عشرات المليارات من الدولارات. وفي ظل اقتصاد تركي يرزح تحت وطأة تضخم يتجاوز حاجز 30%، يصعب على أنقرة تحمل هذه النفقات بمفردها. وهنا يرى المحلل التركي تشاغلار كورتش أن العقود والاستثمارات الدفاعية السعودية ستلعب دوراً محورياً في دعم تمويل تلك البرامج؛ ولعل هذا هو المضمار الأول الذي سيجني فيه “ميثاق مكة” أولى عوائده وثماره.

شارك الخبر: