مضيق هرمز يضع الاقتصاد المصري على المحك: بين ارتفاع أسعار النفط وفرص قناة السويس


هذا الخبر بعنوان "هرمز يختبر الاقتصاد المصري.. النفط يضغط والسويس تبحث عن التعويض" نشر أولاً على موقع عدن الغد وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٣ أغسطس ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
لا يقتصر تأثير اضطراب مضيق هرمز على الاقتصاد المصري على ناقلات النفط فحسب، بل يمتد عبر قنوات متشابكة تبدأ من فاتورة الطاقة وتؤثر على سعر الدولار والتضخم والموازنة العامة. فمع ارتفاع المخاطر المحيطة بالممر البحري، تتزايد تكلفة النفط والغاز عالميًا، مما يضع القاهرة أمام معادلة معقدة: فارتفاع أسعار الطاقة يضغط على مواردها من النقد الأجنبي، بينما قد تمنح إعادة توجيه بعض مسارات التجارة والشحن بعيدًا عن هرمز قناة السويس فرصة لاستعادة جزء من أهميتها.
تكتسب هذه المعادلة أهمية خاصة في ظل اعتماد مصر الكبير على استيراد الطاقة لتلبية احتياجات السوق المحلية، مما يجعل أي قفزة مستمرة في أسعار النفط عبئًا مباشرًا على الحسابات المالية للدولة. ورغم أن تقديرات مورغان ستانلي تشير إلى أن تعرض مصر لارتفاع أسعار النفط أصبح أقل حدة بفضل تحسن تدفقات التحويلات والاستثمار في قطاعي النفط والغاز، إلا أن البنك لا يستبعد بقاء مخاطر كبيرة إذا استمر اضطراب هرمز لفترة طويلة. وفي سيناريو أسوأ، قد يصل عجز الطاقة في مصر إلى نحو 23 مليار دولار خلال العام المالي 2027.
تكمن المشكلة الأساسية للقاهرة في أن ارتفاع سعر برميل النفط لا يعني فقط زيادة قيمة الواردات، بل إن كل دولار إضافي في أسعار الطاقة يمكن أن يتسرب إلى تكاليف النقل والكهرباء والصناعة والسلع، مما يضع ضغوطًا إضافية على التضخم. والخطر الأكبر ليس في قفزة مؤقتة لأسعار النفط، بل في تحول أسعار الطاقة المرتفعة واضطرابات الملاحة إلى وضع طبيعي جديد. تأتي هذه المخاطر في وقت شهدت فيه أسعار النفط تقلبات حادة بفعل أزمة هرمز، الذي يمر عبره نحو 20 مليون برميل يوميًا من النفط الخام والمنتجات النفطية، أي ما يقارب ربع تجارة النفط المنقولة بحرًا عالميًا.
بالنسبة لمصر، يمكن أن يتحول استمرار اضطراب الملاحة إلى مشكلة عملة صعبة، حيث تعني فاتورة استيراد أعلى طلبًا أكبر على الدولار، في وقت تحتاج فيه الدولة إلى توجيه مواردها الدولارية إلى الغذاء والدواء وخدمة الدين وتمويل الواردات الأساسية. وهنا تتقاطع أزمة النفط مع سعر الجنيه، فحتى مع استقرار أسعار الصرف نسبيًا، يمكن لارتفاع تكلفة الواردات أن يعيد الضغط على العملة، أو يجبر الحكومة والبنك المركزي على إدارة موارد النقد الأجنبي بحذر أكبر.
تتجاوز آثار النفط القطاع الخارجي لتصل إلى الموازنة. فارتفاع أسعار الوقود عالميًا يزيد تكلفة تدبير احتياجات السوق المحلية، ويضع الحكومة أمام خيارين صعبين: تحمل جزء أكبر من التكلفة للحفاظ على استقرار الأسعار، أو تمرير الزيادة إلى المستهلكين بما قد يرفع التضخم ويزيد تكلفة المعيشة. وهذا الملف حساس بصورة خاصة بعد سنوات من محاولات إصلاح دعم الطاقة وإعادة هيكلة أسعار الوقود. لذلك، فإن استمرار ارتفاع النفط قد يعقد حسابات الحكومة بشأن توقيت تحريك الأسعار، في وقت تشير فيه توصيات صندوق النقد الدولي إلى ضرورة مواصلة إصلاحات الطاقة.
لكن المفارقة أن مصر لا تقف تمامًا في الجانب الخاسر من أزمة هرمز. فكلما ارتفعت المخاطر حول هرمز والبحر العربي، ازدادت أهمية المسارات البديلة التي تربط الخليج بالأسواق الأوروبية. ومع تحول جزء من حركة الطاقة والتجارة إلى البحر الأحمر وقناة السويس، يمكن للقاهرة أن تستعيد بعض الإيرادات التي فقدتها بسبب اضطرابات الملاحة خلال السنوات الأخيرة. وقد بدأت بالفعل شركات ومشغلون بحريون يبحثون عن طرق بديلة، فيما دفعت أزمة هرمز بعض شحنات النفط السعودية والخليجية إلى التوجه شمالًا عبر البحر الأحمر نحو قناة السويس وخط سوميد. كما تبحث هيئة قناة السويس مع شركات شحن كبرى زيادة الخدمات الملاحية العابرة للقناة، في إشارة إلى محاولة القاهرة الاستفادة من إعادة تشكيل طرق التجارة العالمية.
لكن عائدات القناة وحدها لن تكون بالضرورة كافية لتعويض ارتفاع فاتورة الطاقة إذا استمر النفط عند مستويات مرتفعة لفترة طويلة. وهنا تكمن المفارقة المصرية: قد تربح القاهرة من مرور ناقلات إضافية عبر السويس، لكنها قد تدفع أكثر بكثير لشراء الطاقة التي تحتاجها. وهذا ما يجعل أزمة هرمز مختلفة عن الأزمات السابقة التي واجهت الاقتصاد المصري، حيث لا تتعامل مصر مع صدمة واحدة، بل مع تأثيرين متناقضين في الوقت نفسه: صدمة النفط (ارتفاع الأسعار، زيادة فاتورة الواردات، الضغط على الموازنة والحساب الجاري، وزيادة الطلب على الدولار) وصدمة الملاحة (إذا أعادت شركات الطاقة والتجارة اكتشاف قناة السويس كطريق أكثر أمانًا أو ضرورة استراتيجية، فقد تستفيد القناة من زيادة حركة السفن والناقلات).
يعتمد استمرار المكاسب على عاملين: مدة اضطراب هرمز، ومستوى المخاطر في البحر الأحمر. فإذا بقيت طرق البحر الأحمر آمنة نسبيًا، يمكن لقناة السويس أن تستعيد دورًا أكبر في حركة الطاقة والتجارة. أما إذا اتسعت المخاطر لتشمل البحر الأحمر نفسه، فإن القاهرة ستخسر في الوقت ذاته من ارتفاع النفط ومن تراجع حركة القناة.
تمتلك القاهرة بعض الهوامش التي لم تكن متاحة في أزمات سابقة، فقد ساعدت التحويلات والاستثمارات وتدفقات النقد الأجنبي في تقوية القدرة على مواجهة صدمات أسعار الطاقة، كما أن تطوير إنتاج الغاز والنفط المحلي يمكن أن يقلل جزئيًا من الاعتماد على الواردات. لكن هذه الهوامش ليست بلا حدود. فاستمرار الأزمة يعني أن مصر تحتاج إلى مزيد من الدولارات لشراء الطاقة، في الوقت الذي تحتاج فيه أيضًا إلى حماية الاحتياطيات وتمويل الواردات وخدمة الديون. وكلما طال أمد الأزمة، أصبح السؤال أقل ارتباطًا بسعر النفط في يوم معين وأكثر ارتباطًا بمدة بقائه مرتفعًا. وهنا تتحول أزمة هرمز من أزمة جيوسياسية بعيدة عن مصر إلى اختبار مباشر لقدرة الاقتصاد المصري على امتصاص الصدمات الخارجية. فالخطر الأكبر على القاهرة ليس في قفزة مؤقتة لأسعار النفط، بل في تحول أسعار الطاقة المرتفعة واضطرابات الملاحة إلى وضع طبيعي جديد. عندها لن تكون إيرادات قناة السويس وحدها كافية لتغطية فاتورة الطاقة، وقد تجد مصر نفسها أمام معادلة أصعب: كلما ارتفعت قيمة النفط الذي يمر في طرق التجارة، ارتفعت في المقابل تكلفة النفط الذي تحتاج إلى استيراده. وبذلك، يصبح مضيق هرمز بالنسبة إلى مصر أكثر من ممر نفطي عالمي؛ إنه اختبار للدولار والموازنة والتضخم وقناة السويس في آن واحد.
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد