اليمن
ثقافة

دار الحيد بالضالع: كنز تاريخي يصارع الإهمال وينتظر التحول إلى معلم سياحي

عدن الغد٨ نوفمبر ٢٠٢٦ في ٠٨:١٥ ص0 مشاهدة
دار الحيد بالضالع: كنز تاريخي يصارع الإهمال وينتظر التحول إلى معلم سياحي

تنويه

هذا الخبر بعنوان "دار الحيد في الضالع.. ذاكرة تاريخية مهددة بالإهمال ومطالب بتحويلها إلى معلم سياحي" نشر أولاً على موقع عدن الغد وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٨ نوفمبر ٢٠٢٦.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

ليست المعالم التاريخية مجرد مبانٍ قديمة تقاوم عوامل الزمن، بل هي شواهد حية تختزن ذاكرة الشعوب وتحفظ تفاصيل مراحل مهمة من تاريخها. ومن بين هذه المعالم يبرز دار الحيد في مدينة الضالع، ذلك الحصن الأبيض القابع فوق قمة صخرية مرتفعة، شاهداً على تاريخ المنطقة وتحولاتها السياسية والاجتماعية. ويقف دار الحيد بما يحمله من طابع معماري مميز وموقع جغرافي لافت، بوصفه أحد أبرز المعالم التاريخية في الضالع، غير أن قيمته تتجاوز كونه مبنى قديماً أو قصراً ارتبط بحكم أسرة أميرية؛ فهو جزء من الذاكرة المحلية وشاهد على حقبة من تاريخ المدينة، يستحق التوثيق والحماية وإعادة الاعتبار.

وتكشف تجارب العديد من الدول أن الحفاظ على التراث ليس عملاً شكلياً أو مجرد محاولة لإبقاء المباني القديمة قائمة، بل سياسة ثقافية وتنموية متكاملة. ففي تركيا توجد منظومة قانونية ومؤسسية لتسجيل المباني التاريخية وحمايتها وتنظيم أعمال ترميمها، بينما تعتمد هولندا حماية المناطق التاريخية والأحياء ذات الطابع العمراني المميز، بما يضمن استمرار التطور دون طمس هوية المكان. أما إيطاليا، فقد نجحت في جعل تراثها المعماري والأثري جزءاً أساسياً من هويتها الثقافية ومقوماتها السياحية والاقتصادية، إذ تحولت المدن التاريخية والقلاع والمتاحف إلى وجهات تستقطب الزوار والباحثين من مختلف أنحاء العالم.

ولا تأتي الإشارة إلى هذه التجارب من باب المقارنة المجردة، وإنما للتأكيد على أن ما تمتلكه اليمن من إرث حضاري يستحق رؤية مؤسسية جادة، تنقله من دائرة الإهمال إلى فضاء الحماية والاستثمار الثقافي والسياحي. فاليمن بلد غني بالمدن التاريخية والقلاع والحصون والأسواق القديمة والنقوش والآثار، من صنعاء وشبام وزبيد، إلى معبد أوام وعرش بلقيس في مأرب، فضلاً عن عشرات المواقع التاريخية المنتشرة في مختلف المحافظات، والتي تمثل بمجملها سجلاً حياً للحضارة اليمنية وتنوعها الثقافي والمعماري. ومع ذلك، لا تزال مواقع تاريخية كثيرة تواجه مخاطر الإهمال والتدهور، في ظل غياب برامج كافية للتوثيق والترميم والتأهيل، وضعف حضورها في الخطط السياحية والثقافية.

ويأتي دار الحيد في مقدمة المعالم التي تستحق اهتماماً خاصاً، باعتباره جزءاً من تاريخ الضالع وهويتها، وموقعاً يمكن أن يشكل إضافة مهمة لخريطة السياحة الثقافية في اليمن إذا ما توفرت الإرادة والإمكانات اللازمة لتأهيله. وتكمن أهمية هذا المعلم في قدرته على ربط الأجيال الجديدة بتاريخ منطقتهم، من خلال إتاحة الفرصة أمامهم للتعرف على تفاصيله المعمارية والحقبة التاريخية التي ارتبط بها، بدلاً من أن تظل حكايته محصورة في الروايات الشفهية والذكريات المتناقلة. ومن هنا، تبرز الحاجة إلى مشروع متكامل لإعادة تأهيل دار الحيد، يبدأ بإجراء دراسة فنية وتاريخية متخصصة، وتوثيق مكوناته المعمارية، وتنفيذ أعمال الترميم وفق المعايير العلمية المعتمدة، وصولاً إلى تجهيزه لاستقبال الزوار والباحثين. كما يمكن أن يتضمن المشروع إنشاء لوحات تعريفية ومواد توثيقية بلغات متعددة، وإعداد مسارات سياحية تربط الدار بالمعالم التاريخية المجاورة، مع إشراك أبناء الضالع في أعمال الإرشاد والتعريف بتاريخ المنطقة، بما يفتح فرصاً للعمل ويعزز المشاركة المجتمعية في حماية هذا الإرث.

إن حماية التراث لا تقتصر على ترميم الجدران وإصلاح الأجزاء المتضررة، بل يمكن أن تتحول إلى مشروع تنموي ينعش السياحة الثقافية، ويدعم الحرف التقليدية، ويشجع الدراسات التاريخية، ويمنح المجتمعات المحلية فرصاً اقتصادية وشعوراً أكبر بالفخر والانتماء. وفي هذا السياق، يكتسب تقرير منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو)، المنشور في الثاني من نوفمبر 2026 تحت عنوان في اليمن، إعادة البناء مع الناس ، أهمية خاصة، إذ تناول جهود إعادة تأهيل التراث في عدد من المدن اليمنية، بينها عدن وصنعاء وشبام وزبيد، بدعم من الاتحاد الأوروبي. وتؤكد هذه الجهود أن إعادة الاعتبار للتراث اليمني ممكنة، وأن إشراك المجتمعات المحلية في حماية تاريخها يمثل خطوة أساسية نحو الحفاظ على الهوية الثقافية وتعزيز التعافي.

لكن السؤال الذي يظل مطروحاً: من يتحمل مسؤولية حماية دار الحيد؟ وأين الجهات المعنية بالآثار والسياحة والسلطات المحلية من وضع خطة واضحة لصون هذا المعلم؟ إن انتظار انهيار المعالم التاريخية حتى تتحرك الجهات المختصة يمثل خسارة لا يمكن تعويضها، فالمباني التي تفقد ملامحها الأصلية تفقد معها أجزاء من ذاكرتها، وقد يصبح ترميم ما تبقى منها عاجزاً عن استعادة صورتها الأولى. دار الحيد لا يستحق أن يبقى مجرد صورة جميلة تتداولها منصات التواصل الاجتماعي، ولا أن يكون موضوعاً لمقالات تستحضر قيمته ثم تنتهي دون خطوات عملية. إنه بحاجة إلى مشروع جاد للتوثيق والترميم والتأهيل، وإدراجه ضمن خريطة المعالم التاريخية والسياحية لمحافظة الضالع واليمن عموماً. فالأوطان لا تصنع مستقبلها بالتخلي عن ماضيها، ولا يكفي أن تتغنى بتاريخها دون أن تحمي شواهده. وحين نحافظ على دار الحيد، فإننا لا نحمي قلعة قديمة في الضالع فحسب، بل نصون صفحة من تاريخ اليمن وذاكرة أجيال تستحق أن تعرف ما تركه السابقون. فمن يحمي ذاكرة الضالع قبل أن يفقد دار الحيد ملامحه؟

شارك الخبر: