اليمن في مرمى الصراع الأمريكي-الإيراني: سباق الوساطة والتصعيد وتأثير الحرب على اليمن


هذا الخبر بعنوان "اليمن بين أميركا وإيران... سباق الوساطة والتصعيد .. كيف تؤثر حرب إيران على اليمن؟" نشر أولاً على موقع عدن الغد وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٣ نوفمبر ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
في ظل سباق محموم مع الزمن لمنع انزلاق الشرق الأوسط، واليمن جزء لا يتجزأ منه، إلى ما هو أسوأ مما شهدته جولات الحرب السابقة بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، تتكثف الجهود الدبلوماسية القطرية في محاولة أخيرة لخلق فرصة لتفاوض غير مباشر بين واشنطن وطهران. يأتي هذا رغم تبادل الطرفين مطالب تعجيزية، لا يمكن اعتبارها سوى مناورة قبل بدء أي عملية تفاوض، فالمشهد اليوم مختلف تماماً، والمسألة تتجاوز كونها مجرد زوبعة في فنجان السياسة والإعلام.
تعلن طهران استعدادها للمواجهة، حيث أصدر المرشد الإيراني، مجتبى خامنئي، أوامر لقادة الجيش بالرد "المباشر والفعال دون قيود جغرافية مع تحديث بنك الأهداف". كما صرح وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي، بلهجة متشددة: "قواتنا ستوجه ضربة مدمرة لمن يجرؤ على مهاجمة بلادنا، ولا خطوط حمراء بعد الآن". في المقابل، أكملت واشنطن وتل أبيب استعداداتهما العسكرية لتوجيه ضربة قوية لطهران، ولم تعد التصريحات المراوغة للرئيس دونالد ترامب أساساً للتوقعات، بل باتت تحركات الجيشين الأميركي والإسرائيلي وجاهزيتهما للضغط على الزناد شبه مؤكدة، سواء بالتزامن أو بالتوالي.
قد لا تعني استعدادات إيران للحرب أن تقديراتها للموقف خاطئة، فوجود 50 ألف عسكري أميركي و20 سفينة حربية في المنطقة، بتكلفة عمليات تتراوح بين مليارين وثلاثة مليارات دولار شهرياً، ليس بهدف حملة محدودة، بل لبلوغ أهداف لم تحققها الحملات الجوية السابقة. تسعى واشنطن وتل أبيب، بحسب التصريحات، إلى إزاحة الكابوس النووي الإيراني نهائياً، حتى لو كلف ذلك إعادة إيران نصف قرن إلى الوراء، أي إلى وضع بلا أنياب أو مخالب، ودون أذرع على كافة الأصعدة.
في هذا السياق، لا يمكن تجاهل تهديدات الخصم الإيراني بالرد بما يتيسر من قدرات، وهو ما قد لا تأخذه تل أبيب وواشنطن بالاعتبار، ولكنه يبدو مختلفاً بالنسبة لحلفاء الولايات المتحدة في الخليج. فقد نقلت شبكة "سي إن إن" عن مسؤول أمني إيراني كبير أن البنية التحتية للذكاء الاصطناعي في المنطقة "ضمن قائمة أهداف محتملة لضربات انتقامية في حال تعرضها لهجمات أميركية أو إسرائيلية". وأضاف المسؤول أن استهداف البنية التحتية للذكاء الاصطناعي قد يخلف عواقب تتجاوز أزمة الطاقة ومضيق هرمز، ويمتد تأثيره إلى العالم، وأن تجدد الصراع سيحوله إلى حرب مفاجآت طويلة الأمد، لن تتبع فيها إيران سلوكاً يمكن التنبؤ به.
يبقى السؤال حول احتمال هذا السيناريو وقدرة دول الخليج العربية على التعامل معه، خاصة إذا واجهت هجمات مزدوجة من جهات ثلاث: إيران مباشرة، وبواسطة الفصائل الشيعية في العراق، ومن خلال الميليشيات الحوثية في اليمن. يتابع المراقبون تطورات المنطقة في ظل الحرب التي تعانيها بلادهم، لكن الاهتمام ينصب أكثر على مستقبل الوضع في اليمن وانعكاسات المواجهة المسلحة بين واشنطن وطهران عليها. في دول الخليج، يطغى التوتر المتصاعد بين طهران وحلفاء أميركا وإسرائيل على نقاشات النخب السياسية والإعلامية، وتأخذ الحكومات هذه التهديدات على محمل الجد، مستعدةً لها بالاستعانة بحلفائها أو بإمكاناتها الذاتية.
تراهن دول المنطقة على أن الجهود الدبلوماسية الاستثنائية التي تبذلها الحكومة القطرية قد تحقق قدراً من التهدئة وخفض التصعيد، وتأجيل الصدام العسكري المحتمل، رغم أن المواقف بين الجانبين الإيراني والأميركي لا تزال متباعدة. شبح التفاصيل المعقدة سيظل متربصاً في حال بدء المفاوضات. ولكن إذا حدثت الحرب، وهو ما لا يتمناه أحد، فقد لا تكتفي هذه البلدان بالدفاع عن النفس، بل بالرد والردع في إطار القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة.
الإشارات عن تقدم في المساعي القطرية وأجواء "إيجابية" في اتصالات الدوحة لا تحمل وحدها على التفاؤل، فهي روتينية في المناخات التفاوضية، لكنها لا تغير واقع الاستعدادات العسكرية المتسارعة نحو المواجهة. إن إنفاق مئات الملايين من الدولارات على هذه التجهيزات ليس منطقياً بهدف التوصل إلى اتفاق كان ممكناً، إذ لو كان هناك مجال لذلك، لما جرى تخصيص كل هذه الأموال لتحريك حاملات طائرات وحشد عشرات الآلاف من الجنود الأميركيين.
المواقف بين واشنطن وطهران ليست متضادة فحسب، بل متجابهة حد الاشتباك بالتهديد والوعيد. طهران تشترط وقف الحرب قبل أي تفاوض وترفض مناقشة ملفها النووي، بينما ترفض واشنطن أي تفاوض لا يكون البرنامج النووي الإيراني في صلب ملفاته. يتفق أغلب دول العالم وقواه الرئيسية في الغرب على أنه لا يجب السماح لإيران بامتلاك سلاح نووي. الهوة شاسعة وسحيقة، ولا يمكن ردمها أو جسرها بالتفاوض غير الجاد أو بالقتال. إيران ترى في مشروعها النووي معركتها المصيرية، بينما لا ترى واشنطن مشكلة في أن تكون المواجهة مجرد جولة في حرب مفتوحة. في كلتا الحالتين، تدفع طهران الثمن من اقتصادها ومقدراتها، بينما تدفع واشنطن الثمن من فائض ثروتها وقوتها.
أما عن الحرب في اليمن، والتي يصفها ترامب بأنها من أخطر التحديات أو الأعراض الجانبية للصراع الأمريكي-الإيراني، فرغم إصرار الميليشيات الحوثية على ربطها بالسعودية، إلا أن أزمتها الحقيقية مع اليمن واليمنيين. ومع ذلك، تركز الميليشيات الحوثية معظم مجهودها الحربي على مضيق باب المندب في محافظة تعز، تحقيقاً للأطماع الإيرانية في المضيق. هذا يؤكد ارتباط الحرب بالصراع الأوسع بين إيران والولايات المتحدة، واشتداد حرب الحوثيين الإيرانية بالقرب من باب المندب وتكرار اعتداءاتهم على السعودية مؤشر لقياس درجة حمى طهران في استماتتها للعودة إلى هذا المضيق الاستراتيجي، لعل ذلك يمنحها أفضلية في المواجهة المرتقبة مع الولايات المتحدة.
يتخبط اليمن جراء "حرب التصعيد" التي أعلنها الحوثيون بلا هوادة، خاصة في محافظة تعز. تتحمل إيران ووكلاؤها الحوثيون المسؤولية الأكبر عن كل ما يتم ارتكابه في المحافظة واليمن كله. لهذا السبب، لا يأبه أغلب اليمنيين لما تواجهه إيران من حصار أو مواجهة محتملة مع الولايات المتحدة وإسرائيل. ومع ذلك، هناك خشية من تعرض الحكومة اليمنية لهجمات وضغوط عسكرية خطيرة، قد تنشغل بمواجهتها، وإن كانت هجمات الحوثيين جزءاً من هذه المخاطر.
رياضة
اقتصاد
سياسة
سياسة