فرنسا تقود جهوداً دولية لتمكين الجيش اللبناني في مواجهة التحديات الأمنية


هذا الخبر بعنوان "فرنسا تفتح مساراً دولياً لتعزيز الجيش اللبناني" نشر أولاً على موقع عدن الغد وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٩ أغسطس ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
تفتح فرنسا مساراً دولياً جديداً لدعم الجيش اللبناني، متجاوزةً المساعدات العسكرية التقليدية لتعالج جوهر الأزمة الأمنية والسياسية التي يواجهها لبنان، خاصة في الجنوب. يأتي هذا التحرك الفرنسي في وقت يُعد فيه تعزيز قدرات المؤسسة العسكرية اللبنانية شرطاً أساسياً لتثبيت سلطة الدولة وتهيئة الظروف لتنفيذ التفاهمات الأمنية المرتبطة بالجنوب.
وفي هذا السياق، تسلّم الرئيس اللبناني جوزيف عون رسالة خطية من نظيره الفرنسي إيمانويل ماكرون، تتضمن دعوة بيروت للمشاركة في اجتماع تحضيري تستضيفه باريس في 17 سبتمبر المقبل، تمهيداً لعقد مؤتمر دولي مخصص لدعم الجيش اللبناني وقوى الأمن الداخلي. يهدف الاجتماع إلى حشد مجموعة من الدول والمنظمات الدولية والخبراء حول رؤية مشتركة لتوفير احتياجات المؤسستين الأمنيتين، بما يتيح للجيش الاضطلاع بمهامه في مرحلة حساسة.
وتشير الدعوة الفرنسية إلى أن الهدف لا يقتصر على توفير المعدات، بل يشمل بناء قدرات الجيش وتطوير منظومته اللوجستية والتدريبية، وفق أولويات القيادة العسكرية اللبنانية. كما أن إشراك قوى الأمن الداخلي يعكس رغبة فرنسية في تعزيز المنظومة الأمنية اللبنانية ككل، مع تركيز دور الجيش على المهام العسكرية والأمنية ذات الأولوية، بما في ذلك الانتشار على الحدود والمناطق التي كانت خارج سيطرته الكاملة.
يكتسب الجنوب أهمية خاصة في هذا التحرك، إذ إن أي حديث عن استقرار لبنان يرتبط بقدرة الجيش على الانتشار في مختلف الأراضي اللبنانية، بما فيها المناطق الجنوبية، وأداء دوره كمؤسسة عسكرية رسمية وحيدة مخولة بحمل السلاح. لكن هذه المهمة تصطدم بواقع معقد، في ظل التوتر مع إسرائيل ووجود مناطق لبنانية تحت الاحتلال، فضلاً عن ملف سلاح حزب الله.
تسعى بيروت، وفق هذا المسار، إلى تعزيز الجيش ليتحمل مسؤوليات أكبر على الأرض. لكن زيادة القدرات العسكرية لا تعني تلقائياً قدرة الجيش على فرض ترتيبات أمنية مستقرة، إذ يتطلب نجاحه بيئة سياسية وأمنية تسمح له بالتحرك، والتزام الأطراف الإقليمية والدولية بالتفاهمات المتعلقة بالجنوب.
تأتي الخطوة الفرنسية بعد اتفاق الإطار الذي وقعته بيروت وتل أبيب في 26 يونيو الماضي برعاية أميركية، والذي يقوم على انسحاب إسرائيلي تدريجي بالتوازي مع انتشار الجيش اللبناني، والعمل على نزع سلاح الجماعات المسلحة. تضع هذه الترتيبات المؤسسة العسكرية اللبنانية في موقع محوري، إذ يفترض أن تكون الجهة التي تتولى ملء الفراغ الأمني الناتج عن أي انسحاب إسرائيلي، وتكرس وجود الدولة في المناطق التي شهدت مواجهات عسكرية متكررة.
لكن استمرار العمليات الإسرائيلية في لبنان يزيد من صعوبة هذه المهمة. فبينما يُطلب من الجيش توسيع انتشاره، تواصل إسرائيل عملياتها العسكرية، ولا تزال مناطق في الجنوب تحت سيطرتها. يجد الجيش نفسه أمام معادلة معقدة: مطلوب منه تثبيت قدرته على بسط سلطة الدولة، لكنه يحتاج في الوقت نفسه إلى حد أدنى من الاستقرار والالتزام بالترتيبات الأمنية.
تبرز أهمية المبادرة الفرنسية هنا، فباريس لا تتحرك فقط لتأمين موارد إضافية للجيش، بل تحاول بناء مظلة دولية تساعد المؤسسة العسكرية على التعامل مع مرحلة ما بعد الحرب وإعادة ترتيب المشهد الأمني اللبناني. تراهن فرنسا على أن تعزيز الجيش يمكن أن يوفر للدولة اللبنانية مساحة أكبر للمناورة، ويقلص الحاجة إلى الاعتماد على القوى المسلحة غير الرسمية، ويعزز فرص تنفيذ الاتفاقات المتعلقة بالجنوب.
يحمل الاجتماع التحضيري في باريس أهمية إضافية لكونه سيجمع قادة القوات المسلحة في عدد من الدول، إلى جانب ممثلين عن منظمات حكومية دولية وخبراء. وهذا يتيح الانتقال من المساعدات الثنائية المتفرقة إلى مقاربة أكثر تنسيقاً، تقوم على تحديد احتياجات الجيش وتمويلها وفق خطة عمل واضحة، بدلاً من الاكتفاء بمساعدات ظرفية لا تكفي لمعالجة النقص الهيكلي في قدراته.
يبقى نجاح المسار الفرنسي مرتبطاً بعوامل تتجاوز حجم المساعدات التي يمكن جمعها. فالجيش اللبناني يحتاج إلى موارد مالية مستدامة، وقدرات لوجستية متطورة، وتدريب مستمر، فضلاً عن بيئة سياسية تسمح له بتنفيذ مهامه دون أن يتحول إلى طرف في الصراعات الداخلية. كما أن تعزيز قدراته لا يمكن فصله عن معالجة مسألة السلاح خارج إطار الدولة، وهي قضية تتداخل فيها الاعتبارات اللبنانية مع الحسابات الإسرائيلية والإيرانية والأمريكية.
بالنسبة لفرنسا، فإن تقوية الجيش تمثل استثماراً في استقرار لبنان ومنع تحول الجنوب مجدداً إلى ساحة مفتوحة للمواجهات. فكلما امتلكت المؤسسة العسكرية اللبنانية قدرة أكبر على الانتشار والمراقبة وضبط الحدود، زادت فرص تثبيت الترتيبات الأمنية وتقليص مساحة الفوضى. تحاول باريس تحويل دعم الجيش اللبناني من ملف مساعدات إلى مشروع دولي طويل الأمد، تكون المؤسسة العسكرية بموجبه إحدى الركائز الأساسية لإعادة بناء الدولة وتعزيز سيادتها.
لكن الطريق أمام هذا الهدف لا يزال محفوفاً بالعقبات، وفي مقدمتها استمرار التوتر في الجنوب، والاحتلال الإسرائيلي لأجزاء من الأراضي اللبنانية، وملف سلاح حزب الله، فضلاً عن الوضع الاقتصادي الصعب. مؤتمر باريس المرتقب لن يكون مجرد مناسبة لجمع المساعدات، بل اختباراً لمدى استعداد المجتمع الدولي للاستثمار في قدرة الدولة اللبنانية على استعادة دورها الأمني. تعزيز الجيش خطوة ضرورية، لكنه لن يكون كافياً وحده ما لم يترافق مع تسوية سياسية وأمنية أوسع تضمن انسحاب إسرائيل، وتتيح للجيش الانتشار في الجنوب، وتضع السلاح تحت سلطة الدولة.
المسار الذي تفتحه فرنسا قد يكون بداية لإعادة بناء المعادلة الأمنية اللبنانية، لكن نجاحه سيبقى رهناً بما ستؤول إليه المواجهة على الأرض وبمدى قدرة الأطراف المعنية على تحويل الدعم الدولي للجيش إلى نفوذ فعلي للدولة اللبنانية.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة