عدن: بحرٌ زاخر بالأسماك وموائد خاوية.. أزمة أسعار تُثقل كاهل المواطنين


هذا الخبر بعنوان "أسماك عدن.. ثروة بحرية على الشاطئ و موائد خاوية في الداخل !" نشر أولاً على موقع عدن الغد وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٩ أغسطس ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
في مدينة عدن الساحلية اليمنية، حيث تحيط المياه من كل جانب، تتجلى مفارقة صارخة: البحر يعج بالثروة السمكية، لكن العديد من الأسر باتت عاجزة عن شرائها. ما كان في السابق غذاءً متاحاً لشرائح واسعة من المجتمع، أصبح الآن سلعة باهظة الثمن، مع ارتفاع جنوني في أسعار أصناف عديدة تفوق قدرة الأسر، في ظل ضغوط اقتصادية ومعيشية متزايدة تشهدها المدينة.
من البحر إلى السوق: أين تكمن المشكلة؟
لا يعود ارتفاع أسعار الأسماك إلى عامل واحد، بل هو نتاج سلسلة من العوامل المتشابكة، تبدأ من رحلة الصياد وتنتهي عند المستهلك. يشير الصيادون والعاملون في القطاع السمكي إلى أن ارتفاع أسعار المشتقات النفطية يأتي في مقدمة الأسباب، فهو يزيد من تكلفة تشغيل قوارب الصيد، بالإضافة إلى تكاليف النقل والتبريد والتسويق، وهي تكاليف تنعكس مباشرة على السعر النهائي الذي يدفعه المواطن.
لكن الوقود ليس الحلقة الوحيدة في سلسلة الغلاء. فقلة المعروض مقارنة بالطلب، وضعف البنية التحتية للأسواق، وتعدد حلقات الوساطة بين الصياد والمستهلك، كلها عوامل تساهم في ارتفاع إضافي للأسعار. يطرح هذا الوضع سؤالاً مهماً: ما هو السعر الذي تصل إليه السمكة من يد الصياد إلى مائدة الأسرة، ومن المستفيد الأكبر من هذا الفارق؟
أسعار تتجاوز قدرة الأسر
تكشف الأسعار المتداولة حجم الفجوة بين دخل المواطن وسعر الغذاء. فقد وصل سعر كيلو الثمد إلى نحو 18 ألف ريال، والبياض إلى 14 ألف ريال، بينما تجاوز سعر الروبيان 20 ألف ريال. بالنسبة لأسرة ذات دخل محدود، فإن شراء بضعة كيلوغرامات من الأسماك لم يعد قراراً غذائياً عادياً، بل أصبح عبئاً مالياً يضاف إلى قائمة طويلة من الاحتياجات الأساسية. القضية هنا لا تتعلق فقط بارتفاع سعر سلعة، بل بقدرة الأسر على الوصول إلى مصدر غذائي مهم، في مدينة يفترض أن تكون الثروة السمكية فيها عنصراً أساسياً للأمن الغذائي المحلي.
يضاف إلى ذلك، خروج كميات من الأسماك إلى محافظات أخرى. القضية الأساسية التي تستحق المعالجة هي: هل توجد آلية تضمن تلبية احتياجات السوق المحلية أولاً قبل تصدير الكميات للخارج؟ إذا كانت عدن تنتج وتستقبل كميات كبيرة من الأسماك، ويعاني سكانها من ارتفاع الأسعار، فإن المشكلة لا تكمن في الإنتاج وحده، بل في كيفية إدارة هذا الإنتاج وتوزيعه وتسويقه.
المواطن.. الحلقة الأضعف
في نهاية هذه السلسلة، يقف المواطن وحيداً أمام الأسعار. الصياد يواجه ارتفاع تكلفة الوقود ومستلزمات الصيد، والتاجر يواجه تكاليف النقل والتخزين، والوسطاء يمررون تكاليفهم، بينما لا يملك المستهلك في الغالب سوى خيار الشراء بالسعر المعروض أو الاستغناء عن السمك. هنا، تصبح مسؤولية الجهات الحكومية والرقابية أكثر إلحاحاً، ليس بالضرورة عبر فرض أسعار غير واقعية، بل عبر ضبط السوق، وتتبع مسار الكميات، وتنظيم عمليات التسويق، ومنع الاحتكار والتلاعب، وتوفير بيانات شفافة عن الإنتاج والتوزيع والأسعار.
عدن لا تعاني من غياب البحر، ولا من انعدام الثروة السمكية، لكنها تعاني من فجوة بين الثروة الموجودة وآلية وصولها إلى المواطن. وإذا لم تُسد هذه الفجوة عبر تنظيم السوق، وحماية المستهلك، ودعم الصيادين، وضمان أولوية السوق المحلية، فقد تظل المفارقة قائمة: بحر غني بالأسماك.. وموائد فقيرة لا تستطيع شراءها.
عاجل
صحة
اقتصاد
سياسة