اليمن
سياسة

البحر الأحمر في مرمى التهديد: هل يصبح مضيق باب المندب "هرمز جديداً"؟

يمن مونيتور١٢ أكتوبر ٢٠٢٦ في ١٠:٢٦ م0 مشاهدة
البحر الأحمر في مرمى التهديد: هل يصبح مضيق باب المندب "هرمز جديداً"؟

تنويه

هذا الخبر بعنوان "«هرمز» آخر؟ ما الذي ينبغي معرفته عن تهديد الحوثيين للبحر الأحمر؟" نشر أولاً على موقع يمن مونيتور وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٢ أكتوبر ٢٠٢٦.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

في ظل الصراع المستمر بين الولايات المتحدة وإيران على مضيق هرمز، تتصاعد المخاوف بشأن ممر بحري استراتيجي آخر: البحر الأحمر. كثّف الحوثيون جهودهم لتقييد تدفقات النفط والغاز عبر هذا الممر الحيوي في الشرق الأوسط، خاصة بعد سيطرتهم على مدينة المخا الساحلية الاستراتيجية وعدد من الجزر القريبة من مضيق باب المندب في سبتمبر/أيلول 2026. ورغم الهجوم المضاد الذي شنته الحكومة اليمنية المدعومة من السعودية لاستعادة السيطرة على مناطق حول المضيق، يظل البحر الأحمر شرياناً حيوياً للتجارة العالمية، حيث تمر عبره ما بين 12% إلى 15% من التجارة البحرية العالمية سنوياً، بقيمة تتجاوز تريليون دولار.

يحذر الخبراء من أن استمرار تعطيل الملاحة في البحر الأحمر سيؤدي إلى تأخيرات حادة في سلاسل الإمداد، وارتفاع أسعار الطاقة، وزيادة الاضطرابات الاقتصادية العالمية. وتؤكد كلارا جيليسبي، الخبيرة في شؤون الطاقة والمناخ لدى مجلس العلاقات الخارجية (CFR)، أن القضية لا تقتصر على كميات النفط الضخمة التي تعبر مضيق باب المندب، بل تشمل أيضاً ضمانات المرور الآمن عبر البحر الأحمر بأكمله. وتضيف أن ذلك «سيؤدي إلى مزيد من تقلص مسارات تجارة النفط والغاز الطبيعي المسال المتاحة بين الشرق الأوسط ومناطق العالم الأخرى»، محذرة من أن هذه التطورات «ستفرض ضغوطاً إضافية على أسواق الطاقة العالمية التي تعاني أصلاً من الهشاشة».

يُعد البحر الأحمر، الذي يمتد لمسافة نحو 1400 ميل بين شمال شرق أفريقيا وشبه الجزيرة العربية، أحد أهم الممرات الحيوية للملاحة والتجارة العالمية. وتمر عبره سنوياً نحو 12 إلى 15% من التجارة البحرية العالمية، بقيمة تتجاوز تريليون دولار، على امتداد الممر الملاحي الذي يربط قناة السويس شمالاً بمضيق باب المندب جنوباً. ووفقاً للمنظمة البحرية الدولية التابعة للأمم المتحدة، يمر عبر هذا الممر المائي سنوياً ما بين 12 و15% من التجارة البحرية الدولية، ونحو 30% من حركة الحاويات العالمية. وتمر عبره أيضاً شحنات نفط خام ومشتقات نفطية تقدر بنحو 4.9 ملايين برميل يومياً عبر قناة السويس وخط أنابيب سوميد، ونحو 4.2 ملايين برميل يومياً عبر مضيق باب المندب.

لا تقتصر أهمية البحر الأحمر على تجارة الطاقة والبضائع، بل يُعد أيضاً نقطة اختناق استراتيجية للبنية التحتية الرقمية العالمية، حيث تشير التقديرات إلى أن نحو 90% من كابلات الألياف الضوئية البحرية التي تربط أوروبا بآسيا تمر عبر مياهه. وقد تسببت أضرار سابقة لحقت بهذه الكابلات في اضطرابات واسعة لاتصالات الإنترنت والخدمات السحابية في المنطقة.

يضع تصاعد هجمات الحوثيين اتفاقية مكة الجديدة للدفاع المشترك بين باكستان والسعودية وتركيا أمام اختبار عملي، حيث تم تفعيلها للمرة الأولى في أكتوبر/تشرين الأول 2026، عقب سلسلة هجمات حوثية استهدفت منشآت وبنى تحتية سعودية.

مع استمرار التعطيل الإيراني لحركة الملاحة عبر مضيق هرمز، يرى خبراء أن البحر الأحمر قد يتحول سريعاً إلى نقطة الاختناق البحرية التالية في الحرب. وقال ستيفن إيه. كوك، الخبير في مجلس العلاقات الخارجية، إن حماية الولايات المتحدة لحرية الملاحة ارتبطت تاريخياً بمصلحتها الأساسية المتمثلة في ضمان التدفق الحر للنفط والغاز من الشرق الأوسط. وأضاف أن «إغلاق مضيق هرمز، واحتمال إغلاق مضيق باب المندب، يمثلان اختباراً لهذين الأمرين معاً».

يبلغ عرض مضيق باب المندب نحو 20 ميلاً، وهو المنفذ البحري الوحيد المؤدي إلى البحر الأحمر من المحيط الهندي، ويمتد بمحاذاة مناطق يمنية خاضعة لسيطرة الحوثيين. ورغم عدم وضوح ما إذا كانت إيران ستدفع بقواتها الخاصة لمهاجمة السفن في المضيق، فإن سنوات الدعم الإيراني عززت القدرات العسكرية للحوثيين، ومكّنتهم من توسيع نطاق عملياتهم العسكرية إلى باب المندب ومناطق أوسع من البحر الأحمر. وقد كتب علي أكبر ولايتي، كبير مستشاري الشؤون الدولية للمرشد الأعلى الإيراني مجتبى خامنئي، أن «جبهة المقاومة» الإيرانية «تنظر إلى باب المندب بالطريقة نفسها التي تنظر بها إلى هرمز».

تمثل الحملة الحوثية الحالية تحولاً حاداً مقارنة بفترة التراجع النسبي لعمليات الجماعة. وقد تصاعدت الهجمات تدريجياً، بدءاً من استهداف البنية التحتية المرتبطة بالملاحة، وصولاً إلى تقارير سعودية عن محاولة هجوم بطائرة مسيّرة استهدف مكة المكرمة، فضلاً عن إعلان الحوثيين إسقاط مقاتلة سعودية من طراز «إف-15».

ووفقاً لإدوارد فيشمان، الخبير في مجلس العلاقات الخارجية، تصدّر السعودية ما بين أربعة وخمسة ملايين برميل من النفط يومياً عبر شبكة أنابيب تربط حقولها النفطية بموانئ البحر الأحمر، ما يجعل الوصول إلى مضيق باب المندب بالغ الأهمية بالنسبة إليها. وقال فيشمان: «لكن الحوثيين، وهم حلفاء لإيران، يمكنهم نظرياً إغلاق باب المندب، وجعل السعودية عملياً بلا منفذ لتصدير نفطها».

تتداخل في البحر الأحمر مصالح وأدوار عدد من القوى الإقليمية والدولية الرئيسية، في مقدمتها الحوثيون وإيران وإسرائيل والولايات المتحدة وحلفاؤها، إلى جانب الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً. تُعد جماعة الحوثي المتمركزة في اليمن شريكاً مستقلاً لإيران، وبدأت استهداف السفن الإسرائيلية والدولية في البحر الأحمر أواخر عام 2023، رداً على الحملة العسكرية الإسرائيلية في غزة. وفي يوليو/تموز، أعلنت فرض حصار بحري شامل على السعودية. ومنذ ذلك الحين، صعّدت الجماعة هجماتها على الأراضي والمنشآت السعودية، بالتزامن مع توسيع نطاق سيطرتها على طول الساحل اليمني المطل على البحر الأحمر. وفي سبتمبر/أيلول 2026، سيطر الحوثيون على مدينة المخا الساحلية اليمنية، وكذلك جزيرة ميون وجزيرتي حنيش الكبرى والصغرى، الواقعة قرب مضيق باب المندب.

تستخدم طهران البحر الأحمر لتعزيز نفوذها، وتعطيل التجارة العالمية، وتحدي النفوذ الغربي في المنطقة. وتُعد إيران الداعم الرئيسي للجماعة، إذ تقدم لها مساعدات أمنية وعسكرية تشمل نقل الأسلحة والتدريب والدعم الاستخباراتي. كما تشير بعض التقارير إلى أن عناصر من الحرس الثوري الإيراني قدموا المشورة للحوثيين أثناء تنفيذ حملتهم العسكرية في البحر الأحمر.

أعلنت الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً، في أكتوبر/تشرين الأول 2026، إطلاق عملية «فجر اليمن»، وهي هجوم مضاد واسع النطاق يهدف إلى استعادة الأراضي الخاضعة لسيطرة الحوثيين، بما في ذلك العاصمة صنعاء ومناطق على طول الساحل اليمني المطل على البحر الأحمر. وتحظى الحكومة بدعم كبير من السعودية، التي توفر لها الإسناد الجوي والمساعدات المالية والعسكرية.

اتخذت واشنطن وحلفاؤها سلسلة من الإجراءات لحماية حركة الشحن العالمية واستعادة حرية الملاحة في البحر الأحمر. ورداً على هجمات الحوثيين الأولى في عام 2023، أطلقت إدارة الرئيس الأمريكي السابق جو بايدن عملية «حارس الازدهار»، وهي مبادرة أمنية متعددة الجنسيات. وفي مارس/آذار 2025، أطلقت إدارة الرئيس دونالد ترامب عملية «الفارس الخشن» (Rough Rider)، وهي حملة عسكرية أكثر هجومية استهدفت قواعد الحوثيين في اليمن.

يحذر خبراء من أن تصاعد عدم الاستقرار في البحر الأحمر قد يؤدي إلى تفاقم الأزمات القائمة في شمال أفريقيا وشرقها. وقالت ميشيل غافين، خبيرة الشؤون الأفريقية في مجلس العلاقات الخارجية، إن المنطقة تعاني بالفعل من توترات متعددة ومترابطة. وفي الوقت نفسه، تتحمل الدول الآسيوية جانباً متزايداً من تداعيات اضطرابات البحر الأحمر. فقد توقف خط أنابيب النفط السعودي «شرق–غرب»، الذي ينقل النفط المتجه إلى الأسواق الآسيوية، بصورة مؤقتة عقب هجوم بطائرة مسيّرة شنته جماعة مسلحة مدعومة من إيران.

بالنسبة لإيران والحوثيين، فإن الإغلاق الكامل لمضيق باب المندب سيكون مهمة صعبة. فعلى خلاف مضيق هرمز، الذي يمثل المنفذ البحري الوحيد للخليج إلى المحيطات المفتوحة، تستطيع السفن التي تدخل البحر الأحمر عبر باب المندب الخروج منه شمالاً عبر قناة السويس. ومع ذلك، فإن التعطيل المتزامن والمطوّل للملاحة في المضيقين قد يؤدي إلى اضطراب طرق نقل نفط تمر عبرها إمدادات تعادل نحو 24% من المعروض النفطي العالمي. وأشار إدوارد فيشمان، من مجلس العلاقات الخارجية، إلى أنه رغم وجود طرق بديلة، فإنها أقل كفاءة بدرجة كبيرة، مثل الالتفاف حول القارة الأفريقية بأكملها.

وفي محاولة للحد من اعتمادها على طرق الملاحة في البحر الأحمر، استثمرت بعض دول الخليج في إنشاء ممرات برية للتجارة والخدمات اللوجستية، من بينها الجسر البري الذي يربط الإمارات العربية المتحدة بالسعودية. غير أن هذه البدائل تظل باهظة التكلفة، الأمر الذي يبرز صعوبة الاستغناء عن الممرات البحرية الحيوية، وفي مقدمتها مضيق باب المندب، حتى مع تصاعد المخاطر الأمنية التي تهددها.

شارك الخبر: