اليمن
ثقافة

باحث يمني: الشعراء يمتلكون ذكاءً إبداعياً فريداً يتجاوز الاختبارات التقليدية

عدن الغد١٧ أكتوبر ٢٠٢٦ في ٠٨:٥٦ ص0 مشاهدة
باحث يمني: الشعراء يمتلكون ذكاءً إبداعياً فريداً يتجاوز الاختبارات التقليدية

تنويه

هذا الخبر بعنوان "الوصابي: الشعراء من أذكى الناس وأكثرهم فطنة" نشر أولاً على موقع عدن الغد وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٧ سبتمبر ٢٠٢٦.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

أكد الباحث اليمني مجيب الرحمن الوصابي، خلال مشاركته في مهرجان الأغنية الشعبية بولاية تونس والندوة المصاحبة له بعنوان "ذاكرة المكان وحكمة الإنسان"، أن الشعراء هم من أذكى الناس وأكثرهم فطنة. واستند الوصابي في طرحه هذا إلى تجربته الممتدة لأكثر من عشر سنوات في تدريس الموهوبين في اليمن.

وأوضح الوصابي أن تدريسه للطلبة الموهوبين، الذين تم اختيارهم بعناية للدراسة في مدارس عدن، أتاح له ملاحظة قدرات ذهنية متميزة لديهم، حيث أظهر بعضهم مستويات عالية من الذكاء العام. ومن خلال هذه التجربة، لاحظ تقاطعات بين سمات الموهوبين والسمات المتكررة لدى العديد من الشعراء، مثل سرعة التقاط العلاقات بين الأشياء، والقدرة على بناء الصور، وتوليد المعاني، والنظر إلى التجربة الإنسانية من زوايا غير مألوفة.

ويرى الوصابي أن ذكاء الشاعر لا يقتصر على اختبارات الذكاء التقليدية أو القدرة على الحفظ والحساب، بل يوسع مفهوم الذكاء ليشمل الذكاء الإبداعي والقدرة على التخيل والتركيب والتكثيف. وفي هذا السياق، يقول: "إذا أردنا أن نبحث عن مظاهر الذكاء الإنساني في الشعر، فلا ينبغي أن نحصر الذكاء في القدرة على الحساب أو استرجاع المعلومات، وإنما ينبغي أن نلتفت أيضا إلى القدرة على اكتشاف العلاقات الخفية بين الأشياء، وتكثيف التجربة، وتحويل المعنى المجرد إلى صورة محسوسة، وصياغة الكلام بطريقة تظل قابلة للحفظ والتداول".

واستشهد الوصابي بتجربة الشاعر محمد الغزال الكثيري في أغنيته "ما عليش يا دحدوح" كمثال واضح على ذكاء الشاعر في بناء الصورة وتجسيد المعنى. فالشاعر لم يقدم مأساة غزة كتقرير أو خبر، بل حولها إلى تجربة إنسانية محسوسة، حيث تتحول عبارة "دمار غزة كارثة وإجرام" غزة من اسم جغرافي إلى حامل للحدث والذاكرة والألم. وأشارت الدراسة المرفقة إلى أن المكان في الأغنية يتحول من جغرافيا إلى ذاكرة، وتصبح تسمية غزة نفسها فعلاً من أفعال التذكر.

ويتجلى ذكاء الشاعر بصورة أوضح في العبارة المركزية: "ما عليش يا دحدوح". فهذه الكلمات القليلة تؤدي وظيفة أكبر من حجمها اللغوي، فهي مواساة واعتراف بالألم وانحياز إنساني في آن واحد. ومع التكرار، تتحول العبارة من خطاب موجه إلى شخص واحد إلى صوت جماعي، ومن اسم شخص إلى رمز لتجربة إنسانية أوسع. وتكمن قوة اللغة الشعبية هنا في قدرتها على اختزال تجربة إنسانية كاملة في عبارة قصيرة قابلة للترديد.

وتظهر القدرة على تجسيد المعنى بجلاء في الصور الشعرية مثل: "يطول ليلها الزم الفجر يلوح". فالليل هنا ليس مجرد زمن، بل يصبح صورة للكارثة والقهر، بينما يتحول الفجر إلى صورة للأمل واستمرار الحياة. وهذه الصورة تكشف قدرة شعرية على نقل معنى مجرد، مثل الصبر والأمل، إلى مشهد حسي يعرفه الجميع. وتكمن قوة الشاعر هنا في ذكاء اختيار الصورة البسيطة القادرة على حمل معنى عميق.

وتزداد هذه القدرة وضوحاً حين يحول الشاعر "الدحدوح" من شخصية واقعية إلى رمز، فيقول: "فيك صورة الفرسان في الإعلام". فالشخص يتحول إلى صورة، والصورة تتحول إلى رمز، والرمز يدخل الذاكرة الجماعية. ومن هنا، يمكن القول إن الشعر يكشف عن نمط خاص من الذكاء الإبداعي، يقوم على الترميز، والتكثيف، والربط، والتخيل، وتحويل التجربة إلى صورة قابلة للبقاء.

ولا يعني ذلك أن كل شاعر يمتلك بالضرورة معدل ذكاء مرتفعاً وفق اختبارات الذكاء التقليدية، بل يعني أن الموهبة الشعرية تستدعي قدرات عقلية وإبداعية مركبة لا تقيسها دائماً اختبارات الذكاء وحدها. وتكمن القيمة الأعمق في تجربة الكثيري في استطاعته أخذ تجربة شديدة الألم، ثم إعادة تنظيمها في كلمات وصور وإيقاع ولازمة شعبية. وهكذا يصبح الألم معنى، والشخص رمزاً، والمكان ذاكرة، والكلمة أرشيفاً. وهذه القدرة على تحويل التجربة الإنسانية إلى بناء فني قابل للحفظ والتداول هي، في جوهرها، واحدة من أكثر صور الذكاء الإبداعي وضوحاً في الشعر.

شارك الخبر: