ثورة سبتمبر: 64 عاماً على مشروع جمهوري لم يكتمل بعد


هذا الخبر بعنوان "سبتمبر بعد 64 عاماً.. ثورة لم تكتمل أهدافها" نشر أولاً على موقع يمن مونيتور وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٤ سبتمبر ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
بعد مرور 64 عاماً على قيام ثورة السادس والعشرين من سبتمبر عام 1962، لا تزال أهدافها الستة محفورة في الذاكرة الوطنية اليمنية. لم تكن هذه الأهداف مجرد شعارات عابرة، بل كانت تمثل مشروعاً طموحاً لبناء دولة تقوم على أسس راسخة من الجمهورية، والعدالة، والمساواة، وجيش وطني قوي، والتنمية المستدامة، والديمقراطية، والوحدة الوطنية، واحترام القانون الدولي والسلام. إن الاحتفاء بذكرى سبتمبر يجب أن يتجاوز مجرد استعادة الخطابات والأنشيد، ليصبح مناسبة لمراجعة صريحة وتقييم موضوعي لما تم تحقيقه من أهداف الثورة، وما واجهته من تعثرات، والأسباب الكامنة وراء ذلك.
كان الهدف الأول للثورة يتمثل في التحرر من قبضة الاستبداد والاستعمار ومخلفاتهما، وإقامة نظام حكم جمهوري عادل، والقضاء على الفوارق والامتيازات الطبقية. وقد تحقق بالفعل التحرر من الحكم الإمامي، واكتمل لاحقاً التحرر من الاستعمار البريطاني في جنوب الوطن مع استقلال 30 نوفمبر 1967. إلا أن السؤال الجوهري الذي ظل قائماً هو: هل نجحنا في بناء الدولة الجمهورية العادلة التي كانت تطمح إليها الثورة؟ أثبتت التجارب أن مجرد إسقاط نظام سياسي لا يعني بالضرورة القضاء على جذور الاستبداد. فقد عادت مظاهر التسلط، وتوسعت مراكز النفوذ، وظلت الامتيازات والفوارق قائمة بأشكال جديدة. وعندما حاول البعض توريث السلطة، خرج اليمنيون في عام 2011 مطالبين بالتغيير، وكأنهم يعيدون طرح السؤال الأساسي الذي رفعته ثورة سبتمبر: أين الجمهورية؟ وأين العدالة والمساواة؟
أما الهدف الثاني، وهو بناء جيش وطني قوي قادر على حماية البلاد والثورة ومكتسباتها، فقد كان ركيزة أساسية لبناء الدولة. كان اليمن بحاجة ماسة إلى جيش ينتمي للوطن بأسره، ويضم أبناء اليمن من كافة أرجائه، لا إلى جيش تخضع قيادته لمراكز نفوذ أو ولاءات شخصية وعائلية. عندما تداخلت المؤسسة العسكرية مع صراعات السلطة ومراكز النفوذ، فقد الجيش جزءاً هاماً من دوره الوطني، وأصبح الانقسام الداخلي فيه أحد أبرز مظاهر أزمة الدولة التي تجلت بوضوح في أحداث عام 2011 وما بعدها. ولو تحقق هذان الهدفان الرئيسيان بصورة راسخة، لكان المجال أفسح للانتقال إلى الهدف الثالث: الارتقاء بالمستوى الاقتصادي والاجتماعي والسياسي والثقافي للشعب. فالتنمية لا يمكن أن تزدهر في ظل دولة مضطربة، ولا يمكن بناء اقتصاد منتج في بيئة تستنزفها الصراعات السياسية والعسكرية. كان ينبغي أن تكون معارك الدولة الأساسية في مجالات التعليم، والثقافة، والصحة، والإنتاج، والعمل، وأن يرتفع الوعي السياسي والثقافي للمواطن، وأن تتجه الطاقات الوطنية نحو التنمية بدلاً من استنزافها في الصراع على السلطة والنفوذ.
فيما يتعلق بالهدف الرابع، وهو إنشاء مجتمع ديمقراطي تعاوني عادل مستمد من روح الإسلام، فقد فتح الباب منذ البداية أمام بناء حياة سياسية تقوم على المشاركة والتعدد والحوار. شهد اليمن بالفعل فترات من التعددية والممارسة السياسية، لكن التجربة الديمقراطية ظلت محدودة وهشة، ولم تتحول إلى مؤسسات راسخة قادرة على حماية الدولة والمجتمع من تغول السلطة والنفوذ.
ثم يأتي الهدف الخامس: تحقيق الوحدة الوطنية. هنا يجب أن نكون أكثر صراحة. فالوحدة ليست مجرد إعلان سياسي، ولا يمكن أن تستمر بالشعارات وحدها. تحققت الوحدة اليمنية في 22 مايو 1990، لكنها تعرضت لاحقاً لأزمات وصراعات عميقة، حتى أصبحت فكرة الوحدة نفسها لدى قطاعات واسعة من اليمنيين مرتبطة بتجارب الظلم والإقصاء والصراع. وهذا درس بالغ الأهمية: عندما تستخدم الدولة مشروعاً وطنياً كبيراً لخدمة سلطة أو فئة أو مركز نفوذ، فإنها لا تحمي المشروع، بل تسيء إليه. الوحدة التي أرادتها أهداف الثورة هي وحدة وطنية تقوم على المساواة والشراكة والعدالة، لا على الغلبة أو الإقصاء. ولذلك، فإن استعادة الثقة بمفهوم الوحدة لا تكون بترديد الشعارات، بل ببناء دولة يشعر فيها كل يمني، أياً كان موقعه الجغرافي أو الاجتماعي، بأنه مواطن كامل الحقوق والواجبات.
أما الهدف السادس، المتعلق باحترام مواثيق الأمم المتحدة والمنظمات الدولية، والتمسك بالحياد الإيجابي وعدم الانحياز، والعمل من أجل السلام والتعايش بين الأمم، فيطرح سؤالاً آخر حول استقلال القرار الوطني وعلاقة اليمن بمحيطها الإقليمي والدولي. فالدولة التي تفتقر إلى مؤسسات قوية وقرار وطني مستقل تصبح أكثر عرضة للتأثيرات الخارجية، ويصبح ضعف الداخل مدخلاً لتدخل الخارج.
وهكذا، وبعد 64 عاماً، تبدو الصورة أكثر وضوحاً: ثورة سبتمبر حققت تحولاً تاريخياً بإسقاط النظام الإمامي وإقامة النظام الجمهوري، ومهدت في سياقها التاريخي لثورة 14 أكتوبر والاستقلال. لكن أهدافها السياسية والاجتماعية والمؤسسية لم تتحول كلها إلى واقع مستقر. لذلك، فإن القول بأن سبتمبر انتهت لأن أهدافها لم تتحقق بالكامل هو قراءة ناقصة. وبالمثل، فإن القول بأنها حققت كل أهدافها هو تجاهل لما أنتجته العقود الماضية من أزمات. الحقيقة التي يجب أن نقولها بوضوح هي أن سبتمبر مشروع لم يكتمل. ما زالت الجمهورية بحاجة إلى دولة عادلة. وما زال الجيش بحاجة إلى أن يكون مؤسسة وطنية جامعة. وما زالت الديمقراطية بحاجة إلى مؤسسات تحميها. وما زالت التنمية بحاجة إلى دولة مستقرة. وما زالت الوحدة الوطنية بحاجة إلى عدالة وشراكة ومواطنة متساوية. وما زال القرار الوطني بحاجة إلى الاستقلال عن صراعات النفوذ والتدخلات الخارجية.
إن الوفاء لسبتمبر لا يكون بتحويلها إلى مجرد ذكرى سنوية، بل بإعادة الاعتبار لأهدافها في واقعنا السياسي والاجتماعي. سبتمبر ليست ملكاً لحزب، ولا لجماعة، ولا لمنطقة، ولا لجيل بعينه. إنها جزء من الذاكرة الوطنية اليمنية، ومن حق كل يمني أن يقرأ تجربتها ويناقش نجاحاتها وإخفاقاتها دون خوف أو وصاية. سبتمبر لم تمت، لأنها لم تكن مجرد يوم في التقويم. كانت فكرة عن الجمهورية والعدالة والمساواة والدولة والمواطنة. والفكرة التي لم تتحقق أهدافها كاملة لا تموت؛ بل تظل حاضرة حتى تستكمل مسارها. وبعد 64 عاماً، ربما يكون السؤال الحقيقي ليس: هل انتهت سبتمبر؟ بل: متى نمتلك الشجاعة لبناء الدولة التي حلم بها اليمنيون عندما خرجوا من أجل سبتمبر؟
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة