من هيكل وبهاء إلى تقريب البلهاء: تحولات الإعلام وعلاقته بالسلطة


هذا الخبر بعنوان "هيكل وبهاء.. وتقريب البلهاء" نشر أولاً على موقع عدن الغد وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٧ أغسطس ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
تستدعي الذاكرة حقبة كانت فيها السلطة تبحث عن العقول المستنيرة، والأقلام الواعية، والأصوات القادرة على قراءة ما وراء الأحداث. تبرز هنا تجربتا الصحفي الكبير محمد حسنين هيكل مع الرئيس جمال عبد الناصر، والكاتب أحمد بهاء الدين مع الرئيس أنور السادات.
كان هيكل مقربًا من عبد الناصر، يشاركه النقاشات، ويحلل موازين القوى، ويفهم تفاصيل صنع القرار، ليصبح بذلك أحد أهم شهود العصر الناصري. وبالمثل، كان أحمد بهاء الدين قريبًا من السادات، ورافقه في زيارته التاريخية إلى القدس عام 1977، مع الحفاظ على رؤيته واستقلاله الفكري.
كان القرب من السلطة مسؤولية تتطلب من الصحفي المعرفة والوعي والقدرة على قراءة المرحلة. هيكل كان يرى الأحداث من منظور دائرة القرار، بينما كان بهاء الدين أكثر التصاقًا بالمجتمع والإنسان. ورغم اختلاف رؤيتهما ومواقفهما، إلا أنهما التقيا عند قيمة جوهرية: القلم لا قيمة له إذا فقد عقله وقدرته على الإقناع وإحداث التغيير.
نظرًا لأهمية تجربتهما والدور الكبير الذي لعبه الإعلام في علاقتهما بالسلطة، تناول الأستاذ علي النويشي هذه التجربة في كتابه «هيكل وبهاء.. ترويض السلطة»، محاولًا فهم طبيعة العلاقة بين الصحفي ومركز القرار، وحدود التأثير المتبادل بين الإعلام والسلطة. كان الإعلام وقتها جزءًا من صناعة الوعي، وصوتًا قادرًا على شرح الواقع والتأثير فيه.
أما اليوم، فالمشهد يدعو للسخرية والحزن في آن واحد. نشهد تصريحات تفتقر إلى الوعي من بعض الإعلاميين المقربين من السلطة، ونرى رواد وسائل التواصل الاجتماعي يتم تقريبهم وتحويلهم إلى منصات إعلامية تخدم فصيلًا أو تنظيمًا أو حزبًا. أصبح عدد المتابعين لدى البعض أهم من المعرفة، والضجيج أهم من الحجة، والتصفيق معيارًا للقرب.
المسؤول الذي يحيط نفسه بهذه الأصوات يخسر أهم ما يحتاجه: الحقيقة. الإعلام ليس مجرد مكبر لصوت السلطة، ولا منصة للدعاية الحزبية، ولا مساحة لتصفية الحسابات. الإعلام هو عين الدولة على المجتمع، وصمام أمان يكشف الخلل قبل تفاقمه، ويقول للمسؤول ما يجب أن يسمعه، لا ما يحتاج إلى سماعه.
الفرق واضح: هيكل وبهاء كانا قريبين من السلطة بعقلهما، وبعض إعلاميي اليوم يقتربون منها بمديحهم. هناك كان القلم يصنع وعيًا، وهنا يكاد بعضهم يصنع وهمًا. المشكلة ليست في خطأ إعلامي عابر، فالخطأ وارد، بل في أن تصبح السطحية طريقًا إلى المنبر، والتطبيل طريقًا إلى القرب، والتفاهة تذكرة عبور إلى مراكز التأثير. عندها يصبح عنوان المقال الأصلي ملائمًا تمامًا: «هيكل وبهاء.. وتقريب البلهاء».
ثقافة
ثقافة
ثقافة
ثقافة