قناة مسندم العُمانية: هل تصبح شريان الخليج الجديد بديلاً لمضيق هرمز؟


هذا الخبر بعنوان "هل تكون قناة مسندم العُمانية بديلاً خليجياً لمضيق هرمز ؟" نشر أولاً على موقع عدن الغد وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٦ أغسطس ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
مع تصاعد المخاطر المحتملة لإغلاق مضيق هرمز، تعود إلى السطح فكرة إنشاء قناة مائية عبر شبه جزيرة مسندم العُمانية، تربط بين الخليج العربي وخليج عُمان، متجاوزة بذلك الممر البحري الاستراتيجي الذي يعد أحد أخطر نقاط الاختناق في تجارة الطاقة العالمية. اكتسبت هذه الفكرة زخماً متجدداً في ظل اضطرابات الملاحة الأخيرة، مما دفع دول الخليج إلى إدراك خطورة الاعتماد شبه الكامل على ممر واحد، مهما بلغت قدراتها العسكرية أو تحالفاتها الأمنية.
السؤال المحوري لا يكمن في إمكانية رسم خط على الخريطة يربط بين الخليج وخليج عُمان، بل في قدرة تحويل هذا الخط إلى قناة ملاحية تستوعب ناقلات النفط والغاز العملاقة، وتعمل بكفاءة اقتصادية وأمنية، لتشكل بديلاً حقيقياً لمضيق هرمز. تقع محافظة مسندم العُمانية عند المدخل الجنوبي لمضيق هرمز، مما يجعلها الموقع الجغرافي الأمثل لإنشاء ممر يتجاوز المضيق، عبر شق قناة تنتقل السفن من خلالها مباشرة من مياه الخليج إلى خليج عُمان.
تعود مقترحات إنشاء قناة عبر مسندم إلى سنوات سابقة، لكنها عادت بقوة للنقاش خلال الأزمة الحالية لمضيق هرمز. توجد بالفعل دراسات وأفكار استراتيجية حديثة تدعم إنشاء ممر مائي يقلل اعتماد دول الخليج على نقطة الاختناق البحرية. إلا أن طبيعة منطقة مسندم الجبلية الوعرة، ضمن نطاق جبال الحجر، تشكل تحدياً هندسياً هائلاً، حيث تتطلب بعض التصورات السابقة أعمال حفر ضخمة ونظاماً معقداً من الأهوسة للتعامل مع فروق الارتفاع.
فيما يتعلق بخطوط الأنابيب، فإن دول الخليج تعتمد بالفعل على هذا المسار لنقل النفط، مثل خط أنابيب شرق-غرب السعودي الذي ينقل النفط إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر، وتعمل الإمارات على توسيع قدرتها على نقل النفط إلى الفجيرة. ومع ذلك، فإن الأنابيب لا تحل المشكلة بالكامل، خاصة فيما يتعلق بالغاز الطبيعي المسال، وصادرات قطر التي تعتمد بشكل أساسي على النقل البحري. وهنا تبرز قيمة القناة المقترحة، فهي لا تنقل الطاقة فحسب، بل تنقل السفن نفسها إلى البحر المفتوح. إذا أمكن تنفيذ المشروع بالمواصفات التي تسمح بمرور ناقلات النفط والغاز والسفن التجارية الكبيرة، فقد يتحول من مجرد ممر للطوارئ إلى بنية استراتيجية دائمة.
لكن هناك فرقاً هائلاً بين قناة صغيرة للسفن محدودة الحجم وبين قناة قادرة على استقبال ناقلات عملاقة. فالناقلات العملاقة تحتاج إلى أعماق وعروض ومساحات دوران ومرافق إرشاد وموانئ ومناطق انتظار، فضلاً عن منظومة أمنية كاملة لحمايتها. وهذا يجعل تكلفة المشروع أحد أكبر الأسئلة المفتوحة، حيث تصل التقديرات إلى عشرات أو مئات المليارات من الدولارات. حتى لو أمكن التغلب على الجغرافيا، ستبقى السياسة أكثر تعقيداً. فالقناة ستكون داخل الأراضي العُمانية، مما يمنح مسقط سيادة على أحد أهم الممرات البحرية، وقد يحولها إلى مركز جديد للقوة البحرية والتجارية. بالنسبة إلى دول الخليج، سيكون ذلك مكسباً استراتيجياً إذا وفر لها منفذاً لا تستطيع إيران إغلاقه. أما بالنسبة إلى عُمان، فقد تصبح في قلب صراع جيوسياسي جديد، بدلاً من موقع الوسيط الذي اعتادت لعبه.
يمكن لشراكة خليجية واسعة، تقودها مسقط وتشارك فيها الدول الأكثر اعتماداً على الممر، أن توزع التكلفة والمخاطر، وتمنح القناة جدوى اقتصادية أكبر. المفارقة أن محاولة تجاوز هرمز قد تنتج نقطة اختناق جديدة. فإذا أصبحت قناة مسندم هي المنفذ الرئيسي لصادرات الطاقة الخليجية، فإن قيمتها الاستراتيجية ستجعلها هدفاً محتملاً في أي صراع إقليمي. وبالتالي فإن نقل الخطر من مضيق طبيعي إلى قناة صناعية لا يعني اختفاء الخطر، بل قد يعني إعادة تحديد موقعه.
الاستراتيجية الأكثر واقعية في المدى القريب هي تنويع المخارج: خطوط أنابيب إلى البحر الأحمر، زيادة طاقة الفجيرة، تطوير موانئ خليج عُمان، وربما استخدام مسارات بحرية وبرية إضافية. أما قناة مسندم، فتظل خياراً استراتيجياً بعيد المدى يحتاج إلى دراسة هندسية وبيئية واقتصادية وسياسية ضخمة. ومع ذلك، فإن مجرد عودة الفكرة إلى النقاش تكشف تحولاً أعمق في التفكير الخليجي: لم يعد السؤال كيف نحمي مضيق هرمز، بل كيف نتوقف عن الاعتماد عليه. وهنا تحديداً تكمن أهمية قناة مسندم. فهي قد لا تكون غداً «بديل هرمز»، وربما لا تُبنى أصلاً، لكنها تعكس انتقال دول الخليج من استراتيجية حماية عنق الزجاجة إلى استراتيجية كسر الاحتكار الجغرافي الذي يجعل هذا العنق ضرورياً. وإذا أرادت دول الخليج تحويل قناة مسندم من فكرة استراتيجية إلى بديل حقيقي لمضيق هرمز، فإن ذلك يتطلب ضخ استثمارات خليجية ضخمة في المشروع، والتعامل معه باعتباره بنية أمن قومي خليجية مشتركة لا مشروعاً عُمانياً محلياً. وهذا يفرض تجاوز حساسيات السيادة والتنافس على من يقود منظومة الأمن والطاقة في الخليج، لأن أي تنافس بين العواصم على الريادة الإقليمية قد يحوّل المشروع إلى ساحة خلاف جديدة بدلاً من أن يكون أداة لتجاوز هشاشة هرمز. وفي المقابل، يمكن لشراكة خليجية واسعة، تقودها مسقط وتشارك فيها الدول الأكثر اعتماداً على الممر، أن توزع التكلفة والمخاطر، وتمنح القناة جدوى اقتصادية أكبر، وتحوّلها من مجرد منفذ بديل في أوقات الأزمات إلى مشروع استراتيجي يعيد تعريف أمن الملاحة والطاقة في الخليج وفي عالم أصبحت فيه ممرات الطاقة أهدافاً عسكرية، قد يكون الاستثمار في طريق بديل أغلى من حماية الطريق القديم، لكنه في المقابل قد يكون أكثر قيمة من الناحية الاستراتيجية: فالطريق الذي يمكن تجاوزه يفقد قدرته على ابتزاز من يعتمد عليه.
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد