شهادة يحيى السواري: ليلة سقوط المخا بين انسحاب مفاجئ واختفاء قائد في اللحظة الفارقة


هذا الخبر بعنوان "يحيى السواري يروي ليلة سقوط المخا: انسحاب مفاجئ.. وقائد اختفى في اللحظة الحاسمة" نشر أولاً على موقع عدن الغد وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٢ سبتمبر ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
يروي المحامي والكاتب الصحفي يحيى السواري تفاصيل الساعات الأخيرة التي سبقت سقوط مدينة المخا، مستندًا إلى مشاهداته الشخصية وشهادات الجنود والجرحى والعاملين في المستشفى. وصف السواري حالة من الارتباك والانسحاب المفاجئ، ومشاهد نزوح وصفها بأنها من أقسى ما عاش.
في مساء الأربعاء 9 سبتمبر، تلقى السواري إبلاغًا من إدارة قناة الجمهورية بضرورة التوجه فورًا إلى عدن. أُبلغ بأن الأوضاع في الجبهة قد ساءت، مما أثار قلقه بشأن اندلاع معركة داخل المخا. ورغم إلحاح الإدارة وزملائه على المغادرة، قرر البقاء، معتقدًا أن معركة كبيرة ستندلع للدفاع عن المدينة، وأنها قد تتحول إلى «ملحمة وطنية» توثق إيمان اليمنيين بقضيتهم، مستحضرًا صورًا تاريخية لمعارك سابقة.
تحدث السواري عن قائد المقاومة الوطنية، العميد طارق صالح، مؤكدًا ثقته به وبقدرته على قيادة المعركة، وأنه كان يعتقد أن صالح لن يغادر المخا مهما كانت الظروف. روى لقاءه بطارق صالح في الأول من سبتمبر، ولاحظ عليه آثار السهر والإرهاق، وأن مرافقيه اضطروا لأخذ أجهزة الاتصال منه لإجباره على النوم بعد أيام من السهر المتواصل. وعلق السواري: «لم أؤمن بقائد كما آمنت بطارق، كنت مستعدًا للموت تحت قيادته، وأجزم أن الكثير من رجاله سيفعلون، لكن القائد اختفى في اللحظة التي كان يجب أن يظهر فيها، فتحول اليقين كله إلى استغراب».
عند منتصف الليل، لاحظ السواري انتشار الآليات العسكرية في أنحاء المدينة، وازدحام الشوارع الرئيسية بالمقاتلين، مما جعله يعتقد أن القوات تستعد لمعركة حاسمة. قضى الساعات التالية في انتظار التواصل مع العسكريين لتنسيق تغطية الأحداث، لكن مدير القناة محمد عايش لم يكن يملك معلومات أكثر من محاولات إقناعه بالمغادرة، خاصة بعد انقطاع التواصل مع قيادات عسكرية.
في الرابعة فجرًا، اختفت المدرعات والمقاتلون ورجال الأمن، وغادر السجناء إدارة الأمن. أدرك السواري أن التحركات العسكرية لم تكن استعدادًا لمعركة، بل كانت عملية انسحاب. تأخر قرار المغادرة بسبب اختفاء وسائل النقل المتاحة، ووجد السواري نفسه وسط أعداد غفيرة من المدنيين الباحثين عن وسائل نقل إلى عدن، مع عروض مالية كبيرة تُقدم لأصحاب المركبات الذين رفض الكثير منهم المغادرة خوفًا على أسرهم.
في السابعة صباحًا، سمع السواري سقوط قذائف وسط المدينة وبالقرب من المستشفى السعودي، بالتزامن مع إطلاق نار في أطراف المخا. أثناء بحثه عن وسيلة نقل، لمح حافلة أمام أحد المنازل، وطرق باب صاحبها طالبًا منه نقله إلى عدن مقابل أي مبلغ. أبدى الرجل تعاطفًا لكنه كان يخشى ترك أسرته وحيدة. عرض السواري اصطحاب أسرته معه، وحاول الرجل التواصل مع أصحاب حافلات آخرين دون جدوى.
عندما اشتد إطلاق النار، عاد السواري إلى منزل الرجل وطلب منه فقط «إخفاءه». تدخلت زوجة الرجل، وطلبت من زوجها أن يمنحه السيارة الموجودة بجوار الحافلة. سلم الرجل السواري مفتاح السيارة، محذرًا إياه من نقص الوقود، فانطلق باتجاه عدن. تساءل السواري عن الدافع وراء كرم هذه الأسرة، معتبرًا أن ما شاهده من تضامن يعكس حجم الخوف من الحوثيين واستعداد المدنيين للنجاة.
وصف السواري الطريق إلى عدن بأنه كان مشهدًا استثنائيًا، حيث شاهد عشرات الآلاف من الأشخاص وآلاف المركبات والآليات العسكرية تغادر المنطقة، وأسرًا تسير على الأقدام، وعائلات على دراجات نارية. بدا المشهد وكأن «مدينة تسافر على الأقدام»، وتساءل عن طبيعة القوة العسكرية التي دفعت كل هذه القوات إلى الانسحاب، ولماذا لم تُستخدم الآليات في إقامة خطوط دفاع.
أكد السواري أنه لم يحصل على إجابات واضحة من الجنود عن سبب الانسحاب، حيث كان الكثير منهم يرددون عبارة: «شاهدنا الجميع ينسحبون فانسحبنا»، مما يشير إلى غياب التواصل بين المقاتلين وقياداتهم. ورغم عدم تقديمه نفسه كخبير عسكري، يرى السواري أن ما حدث يستحق التقييم من زاوية التاريخ والقضية اليمنية ومصير السكان.
لا يعرف السواري مكان طارق صالح أو أسباب قراراته، لكنه لا يعتقد أنه «خائن أو جبان أو غبي»، بل يرى أنه تردد ولم يحسم موقفه بين خيارات متعارضة. في جانب آخر، تحدث السواري عن الخسائر البشرية، مشيرًا إلى مشاهدته جثث قتلى من وحدات مختلفة في ساحة المستشفى بالمخا. وبحسب شهادة ممرض في المستشفى السعودي، كانت جبهات ريف تعز تستقبل يوميًا ما بين 30 و40 جريحًا في الأيام الأربعة التي سبقت الانهيار.
أكد السواري ضرورة تكريم الجنود الذين خاضوا المعارك وعدم تحميلهم مسؤولية الانهيار، داعيًا إلى الاستفادة من خبراتهم العسكرية والميدانية.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة