الحوثي واقتصاد الحرب: هل يهدد استهداف الموانئ حياة اليمنيين؟


هذا الخبر بعنوان "الحوثي واقتصاد الحرب.. معادلة المجنون" نشر أولاً على موقع يمن مونيتور وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٦ أغسطس ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
تثير استهدافات ميناء المخا من قبل ميليشيا الحوثي تساؤلات عميقة حول طبيعة الحرب التي تشنها الجماعة، وما إذا كانت تستهدف إضعاف الخصم العسكري أم تدمير مقومات الحياة للمواطنين اليمنيين. فبينما يمكن فهم ضرب المواقع العسكرية في سياق المواجهة، فإن استهداف الموانئ التجارية يضع اليد مباشرة في جيب المواطن، مما يفتح باب التساؤل حول الهدف الحقيقي: هل هو الميناء أم الحياة التي يعتمد عليها؟
إن ميناء المخا ليس مجرد أرصفة ورافعات، بل هو شريان حياة لمجتمع يعاني من وطأة الحرب وتآكل العملة وارتفاع الأسعار. كل سفينة تصل إليه تحمل معها بضائع يعتمد عليها تجار وعمال وأسر، وكل شحنة تمثل سلسلة طويلة تنتهي عند المستهلك اليمني. وبالتالي، فإن أي صاروخ يصيب الميناء لا يقتصر أثره على المكان، بل يمتد ليشمل السوق، وفواتير النقل والتأمين، وأسعار السلع، وصولاً إلى مائدة المواطن.
هذه ليست حادثة منفصلة، بل تكرار لمسار استهداف البنية الاقتصادية للدولة، كما حدث في أكتوبر 2022 عندما استهدفت الهجمات الحوثية موانئ تصدير النفط في ميناء الضبة بحضرموت، مما أدى إلى تعطيل الصادرات وضرب موارد الدولة الأساسية. واليوم، تعيد المخا طرح السؤال نفسه: لماذا تتحول المنشآت الاقتصادية إلى أهداف في قلب الصراع؟
قد تحتفي جماعة الحوثي بالصواريخ التي تنطلق والمنشآت التي تصاب، وتسمي ذلك نصراً. لكن الاقتصاد لا يقرأ الأمور بهذه الطريقة. فهو يحسب حجم التعطل التجاري، وارتفاع تكاليف التأمين، وخسائر التجار، وتوقف العمال، والتكاليف الباهظة لإصلاح ما دمرته الصواريخ. المفارقة المؤلمة هي أن فاتورة هذه الصواريخ يتحملها اليمنيون، وليس من أطلقها، في محاولة لتحويل اليمن إلى مجاعة وإجبار أبنائه على الصراخ من الجوع.
تتجاوز الحرب على الدولة مجرد إسقاط المؤسسات عسكرياً، لتصل إلى حرمانها من مواردها، وهو ما يمثل طريقة أشد قسوة وأطول أثراً. إن إعلان رئيس مجلس القيادة الرئاسي عن إعادة تصدير النفط هو خطوة سيادية تهدف إلى فك الحصار الاقتصادي المفروض. فدولة بلا صادرات كافية، وموانئ مهددة، واستثمارات خائفة، واقتصاد يعمل تحت وطأة احتمالات الحرب، هي دولة تواجه صباح كل يوم عبئاً إضافياً.
لذلك، يجب ألا يُصنف استهداف المنشآت الاقتصادية في هامش المواجهة العسكرية، بل في صميمها، لأن إفقار الدولة هو أحد أشكال هزيمتها، وإفقار المجتمع هو أحد أشكال إخضاعه. وهنا تكمن العلاقة المعقدة بين الحوثية والفقر؛ فالجماعات المسلحة لا تحتاج إلى اقتصاد مزدهر ومجتمع قادر على صناعة خياراته. البيئة المنهكة اقتصادياً أكثر قابلية للاحتواء، والإنسان الذي ينشغل بقوت يومه يصبح أقل قدرة على مقاومة سلطة تتحكم في كل شيء. يتحول الفقر في زمن الحروب إلى أداة حكم، كما فعلت الحوثية في إدارة مناطق سيطرتها لأكثر من عقد من الزمن، مستخدمة الجوع والخوف.
أما رواية السلاح التي تروج لها الحوثية، بأنها تستهدف أهدافاً مرتبطة بالسلاح والإمداد العسكري، فهي تحتاج إلى دليل. فالادعاء بأن منشأة مدنية هي هدف عسكري لا يكفي، خاصة عندما تتجاوز النتائج المعلنة الاستهداف المدني للبنية التحتية والبضائع والحركة التجارية. كما أن السؤال المنطقي هو: إذا كانت الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً لديها علاقات رسمية مع دول عديدة، فلماذا يكون ميناء تجاري مدني هو العقدة الوحيدة للسلاح؟
من المخا إلى مأرب، تتضح الصورة أكثر. فالهجوم على مأرب بستة صواريخ باليستية وطائرات مسيرة استهدف أحياء سكنية، في مدينة تعد ملاذاً لآلاف النازحين. وصول الصواريخ إلى هذه المدينة يعني أن الحرب تلاحق الإنسان حتى إلى المكان الذي اختاره ملاذاً منها. وفي تعز، تتواصل المأساة في محافظة عاشت سنوات طويلة بين الحصار والجبهات والضحايا. وعندما تُجمع هذه الأحداث، يصبح من الصعب النظر إليها كوقائع متفرقة؛ إنها تصعيد يحمل سؤالاً أكبر: ماذا تريد الحوثية الآن؟
لا يقتصر الأمر على الرغبة في إظهار القوة العسكرية، بل هو أعمق من ذلك. تريد الحوثية أن تدخل أي ترتيبات سياسية مستقبلية وهي تحمل معها قدرتها على إنتاج الخطر. فبينما تتفاوض الدول بما تمتلكه من اقتصاد ومؤسسات وتحالفات، تتفاوض الجماعات المسلحة بكلفة الفوضى التي تستطيع إنتاجها. تتحول الصواريخ والطائرات المسيرة إلى أوراق تفاوض سياسية، تحمل رسالة مفادها: أنا قادر على تعطيل الميناء، وتهديد المدينة، ورفع كلفة التجارة، وإبقاء الإقليم في حالة قلق. التعامل معي أقل كلفة من مواجهتي. هذه المعادلة خدمت الحوثية، لكن التاريخ يخبرنا أن الأخطاء التي تنجح مرات عديدة تقنع صاحبها بأنها ستنجح دائماً، وهذا قد يكون خطأً فادحاً.
تعتمد استراتيجية الحوثية على افتراض أن الطرف المقابل سيستمر في استيعاب الضربات، وأن المجتمع الدولي سيعود دائماً إلى دعوات ضبط النفس والحوار. لكن ماذا لو تغير هذا الافتراض؟ الخطاب الرسمي الشرعي أصبح أكثر وضوحاً، حيث أعلن رئيس مجلس القيادة الرئاسي أن مرحلة الاعتداء بلا كلفة قد انتهت، وأن التزام الدولة بالسلام لا ينبغي أن يتحول إلى تصريح مفتوح للميليشيات. هذا إعلان عن محاولة تغيير قواعد المعادلة. كما تتحدث المؤسسة العسكرية عن عمليات متزايدة ضد مصادر التهديد. صورة القوات الحكومية اليوم قد لا تكون هي نفسها التي بنت عليها الحوثية حساباتها قبل سنوات، وهذا قد يغير الكثير.
من السهل تفسير سلوك الحوثي كونه تنفيذاً مباشراً للأجندة الإيرانية، والعلاقة مع إيران عنصر أساسي. لكن اختزال كل شيء فيها يحرمنا من رؤية مشروع الحوثية الخاص، وسلطتها التي تريد المحافظة عليها، ومناطقها، ونظام مصالحها، وجهازها العسكري والاقتصادي الذي أصبح بقاؤه مرتبطاً ببقاء الوضع الاستثنائي. الحوثية لا تفاوض فقط على موقع اليمن في صراع إقليمي، بل على مستقبلها هي، وتريد أن تدخل أي تسوية كطرف لا يمكن استبعاده، ليس بجاذبية نموذجها السياسي، بل بحجم الضرر الذي تستطيع إحداثه.
هذه هي "معادلة المجنون"؛ محاولة إقناع الخصم بأنك قادر على الذهاب أبعد منه ومستعد لتحمل مخاطر لا يستطيع هو تحملها. الحوثية تحاول أن تجعل الخوف منها جزءاً من قيمتها التفاوضية. لكن هذه اللعبة خطرة، لأن رفع مستوى الخطر باستمرار قد يدفع الخصم إلى التفكير في إنهاء مصدر الخطر نفسه. السؤال الأهم اليوم ليس لماذا استهدفت الميليشيا ميناء المخا أو مأرب، بل هل ما تزال الحوثية تقرأ خصومها والإقليم والمجتمع الدولي بالمعادلات القديمة نفسها؟ هناك فارق دقيق بين أن تجعل نفسك خطراً يخشى الجميع استفزازه، وبين أن تتحول إلى خطر يرى الجميع أن بقاءه أصبح أكثر كلفة من مواجهته.
في النهاية، يريد اليمنيون شيئاً أبسط وسط كل هذه الحسابات. لا يريدون معرفة مدى الصواريخ وأهدافها، ولا يريدون سماع صرخات الموت. يريد المواطن أن يعرف متى يصل راتبه، وأن يصل كيس الدقيق بسعر يستطيع دفعه. يريد ميناءً يعمل، وطريقاً مفتوحاً، ومدرسة لا تتحول إلى ثكنة، ومستشفى يجد فيه الدواء، ومدينة ينام فيها أبناؤه بأمان وحرية. بعد أكثر من عقد من الحرب والانقلاب، هذه ليست مطالب رفاهية، بل أحلام شعب تم اختصارها إلى أبسط مقومات حقوق الإنسان.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة